النويري
246
نهاية الأرب في فنون الأدب
يتدرّعها فتخال عليه غديرا صافحت صفحته يد الشّمال ؛ إن نشرت على الجسد غطَّت الكعبين ، وإن طويت فكالمبرد في يد القين ؛ حميدة الملبس ميمونة المساعى ، مسرودة النسج في عيون الأفاعي ؛ داووديّة النّسب تبّعيّة المعزى ، قد تقاربت في الحلق وتناسبت في الأجزا . وأعددت للحرب فضفاضة تضاءل في الطىّ كالمبرد دلاص ولكن كظهر النّون لا يستطيعها سنان ، وموضونة ولكن يحيّر البصر فيها عند العيان : أموج بحر يتلاطم في جوانبها أم حباب غدران . مشفوعة بقوس طلعت هلالا في سماء المعارك ، ومجرّة تنقضّ منها نجوم المهالك ؛ ووكرا تسرح منه نسور المعاطب ، وأمّا تفرّق أولادها لإحراز الغرض من كلّ جانب ؛ تصرع بسهامها كلّ رامح ونابل ، وتبكى ومن العجب أن يبكى القتيل القاتل ؛ تطيعك في أوّل النّزع وتعصيك في آخره ، وترسل سهما فلا يقنع من العدوّ إلا بسواد ناظره ؛ إذا أنبض الرامون عنها ترنّمت ترنّم ثكلى قد أصيب وحيدها تهابها الأقران ، وتتحاماها الشجعان ، ويؤمن بمرسلها كلّ شيطان من الإنس والجان . ووصف الرمح فقال : وإنّ أولى ما اعتقل مولانا من الخطَّىّ ما سلب الرّوم زرقتها ، والعرب سمرتها ؛ وأشبه العاشق ذبولا واصفرارا ، وخالط الضّرغام في غيله فهو يلقى من بأسه عند المطاعنة أخبارا ؛ وهزّه الفارس فالتقى طرفاه ، وخيّل لرائيه أنّ ثعلبه [ 1 ] قد فغرفاه ؛ إن حمله الدارع قلت غصنا على غدير ، وإن هزّه الفارس وألقاه قلت حيّة على وجه الأرض تسير ؛ فهو كالرّشاء لكن لا يرضى قليبا غير القلب ، أو كالعدوّ الذي لا يهوى إلَّا إزالة ما في شغف [ 2 ] القلوب من حبّ .
--> [ 1 ] الثعلب : طرف الرمح الداخل في جبة السنان . والجبة : رأس الرمح في أسفل السنان . [ 2 ] في الأصل « شغوف القلوب » والشغاف ، وهو سويداء القلب أو غشاؤه ، انما يجمع على شغف .