النويري
238
نهاية الأرب في فنون الأدب
أن تعرف بها الرماح أو تشعر [ 1 ] بمكانها السيوف ؛ ما طلع في سماء النّقع قوسه إلَّا سحّ وبل النّبل ، ولا استبقت الآجال وسهمه إلا كان له في بلوغها السّبق من بعد والسّبق من قبل . ومن شرف قدره الذي دلّ عليه كلام النبوّة ، أن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم نبّه على أنه المراد بقوله تعالى : * ( وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) * . ومن أسباب فضله الذي أصبح بها قدره ساميا ، وفخره ناميا ، وقطره في أفق النصر هاميا ، ما ورد من قوله صلى اللَّه عليه وسلم لفتية ممن أسلم من أسلم : « ارموا يا نبي إسماعيل فإنّ أباكم كان راميا » . ومما عظمت به على الأمة المنّة ، وغدت فيه نفوس أرباب الجهاد بالفوز في الدنيا والآخرة مطمئنّة ، قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « تعلَّموا الرمي فإنّ ما بين الغرضين روضة من رياض الجنّة » . ومن فضل الرمي الذي لا يعرف [ 2 ] التأويل ، ما نقل من قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « من رمى بسهم في سبيل اللَّه أخطأ أو أصاب فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل » . ومما يرفع قدر السهم [ ما روى عنه صلى اللَّه عليه وسلم من قوله : « إن اللَّه يدخل بالسهم [ 3 ] ] الواحد ثلاثة نفر الجنّة صانعه يحتسب في صنعته الخير وراميه ومنبله » . ومما حضّهم به على الرمي ليجتهدوا فيه ويدأبوا : قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « ارموا واركبوا وأن ترموا أحبّ إلىّ من أن تركبوا » . ومن خصائص السّهم أنه ذو خطوة في الهواء وحكم نافذ في الماء ، وتصرّف حتّى في الوحش السانح في الأرض والطير المحلَّق في السماء ؛ يكلَّم بلسان من حديد ؛ ويبطش عن باع مديد ؛ إن رام غرضا طار إليه بأجنحة النّسور ، وإن حمى معلما أصاب الحدق وصان الثّغور ؛ يوجد بصره حيث فقد ، وإذا انفصل عن أمّه لم يسر من كبد إلا إلى كبد ؛ أنجز [ 4 ] فعله على ما فيه من إخلاف الطباع ، وشرفت
--> [ 1 ] في الأصل : « أو ما تشعر . . . » . [ 2 ] في الأصل : « الذي لا يصرف » . [ 3 ] تكملة للكلام فلعلها ، أو شيئا بمعناها ، سقطت سهوا من الناسخ . [ 4 ] في الأصل : « أنجد فعله » .