النويري
19
نهاية الأرب في فنون الأدب
فقدته حين تريده للحقّ ، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضرّ بك في العجز عن أهل الفضل . وكتب عبد اللَّه بن عبّاس إلى الحسن بن علىّ لمّا ولَّاه الناس أمرهم بعد علىّ رضى اللَّه عنهما : أن شمّر للحرب ، وجاهد عدوّك ، واشتر من الضّنين [ 1 ] دينه بما لا يثلم دينك ، ووال [ 2 ] أهل البيوتات تستصلح به عشائرهم . وقال علىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه : يجب على الوالي أن يتعهّد أموره ويتفقّد أعوانه حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسئ ، ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء ، فإنه إذا ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسىء ، وفسد الأمر وضاع العمل . وقال بعض الحكماء : الملك المنعم إذا أفاض المكارم [ 3 ] واغتفر الجرائم ارتبط بذلك خلوص نيّة من قرب منه وهم الأقل ، وانفساح الأمل ممن بعد عنه وهم الأكثر ، فيستخلص حينئذ ضمائر الكلّ من حيث لم يصل معروفه إلا إلى البعض . ولم أر فيما طالعته من هذا المعنى أجمع للوصايا ولا أشمل من عهد كتبه علىّ ابن أبي طالب رضى اللَّه عنه إلى مالك بن الحارث الأشتر حين ولَّاه مصر ، فأحببت أن أورده على طوله وآتى على جملته وتفصيله ، لأن مثل هذا العهد لا يهمل ، وسبيل فضله لا يجهل ؛ وهو : هذا ما أمر [ به [ 4 ] ] عبد اللَّه علىّ أمير المؤمنين إلى مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوّها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها ، أمره بتقوى اللَّه وإيثار طاعته واتّباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي
--> [ 1 ] في الأصل هكذا : « واستر الصين » وهو محرف عما أثبتناه عن عيون الأخبار والعقد الفريد . [ 2 ] وال : ناصر وصادق . [ 3 ] في الأصل « المكاره » وسياق الكلام يقتضى ما وضعنا . [ 4 ] زيادة عن نهج البلاغة ( طبع بيروت ج 2 ص 50 - 68 ) ، وكذلك كل ما وضع بين هذين القوسين [ ] في ثنايا هذا الكتاب .