النويري
187
نهاية الأرب في فنون الأدب
وبينهم أن يستعملوا المجاديف التي في جوف المركب ، وكرّبه راجعا إلى الشأم . ففعل ما أمره به معاوية . وصادف وصول ذلك القائد وجود البطريق [ 1 ] في ضيعته ، فبسط ذلك البساط على ظهر المركب ووصل إلى عرض ضيعة العلج ؛ فلما عاين البساط حمله الشّره والحرص إلى أن دخل المركب ، فلما صار في المركب أشار [ القائد ] إلى رجاله فرجعوا بالمركب بعد أن أوثق البطريق ومن معه ، وسار بهم حتى قدم على معاوية . فأحضر معاوية البطريق ووقفه بين يديه ، وأحضر القرشىّ وقال : هذا صاحبك ؟ قال : نعم ؛ قال : قم فاصنع به ما صنع بك ولا تزد ؛ فقام القرشىّ فوكزه كما كان فعل به العلج . ثم قال معاوية للبطريق : ارجع إلى ملكك وقل له : تركت ملك الإسلام يقتصّ من أصحاب بساطك ، وقال للذي ساقه : انصرف به إلى أوّل أرض الروم وأخرجه ، واترك له البساط وكل ما سألك أن تحمله اليه من هديّة . فانصرف به إلى فم وادى القسطنطينية ، فوجد ملك الروم قد صنع سلسلة على فم الوادي ووكَّل بها الرجال ، فلا يدخل أحد إلى الوادي إلا بإذنه ؛ فأخرج العلج ومن معه وما معه . فلما وصل إلى ملكه ووصف له ما صنع به معاوية قال : هذا ملك كبير الحيلة . فعظم معاوية في أعينهم وفى نفوسهم فوق ما كان . وهذه الواقعة محاسنها تستر مساوى ما تقدّمها . وهذا الباب متّسع ، ستقف إن شاء اللَّه في التاريخ الذي أوردناه في كتابنا هذا [ على [ 2 ] ] ما تكتفى به وتطَّلع منه على المكايد . وحيث انتهينا إلى هذه الغاية في أوصاف قادة الجيوش ، فلنذكر الآن فضيلة الجهاد ووصف الجيوش والوقائع .
--> [ 1 ] في الأصل : « وصادف وصول ذلك القائد والبطريق . . . » . [ 2 ] زيادة يقتضيها الكلام .