النويري
185
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذاكرها أمرى واحضضها على ردّ مالي . فلما انصرف الحسين إليها قال لها : قد قدم عبد اللَّه بن سلَّام وهو يحسن الثناء عليك ويحمل النشر عنك في حسن صحبتك وما آنسه قديما من أمانتك ، فسرّنى ذلك وأعجبنى ، وذكر أنه كان قد استودعك مالا ، فأدّى إليه أمانته وردّى عليه ماله ، فإنه لم يقل إلا صدقا ولم يطلب إلا حقا ؛ فقالت : صدق ، استودعني مالا لا أدرى ما هو ، فادفعه اليه بطابعه ؛ فأثنى عليها حسين خيرا وقال : ألا أدخله عليك حتى تتبرّئى إليه منه كما دفعه إليك ؟ ثم لقى عبد اللَّه وقال : ما أنكرت مالك ، وإنها زعمت أنه بطابعك ، فادخل إليها وتسلَّم مالك منها ؛ فقال : أو ما تأمر من يدفعه إلىّ ؟ قال : لا ! بل تقبضه منها كما دفعته إليها . ودخل عليها حسين وقال : هذا عبد اللَّه قد جاء يطلب وديعته ؛ فأخرجت اليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت : هذا مالك ؛ فشكر وأثنى . وخرج حسين عنهما ، وفضّ عبد اللَّه ابن سلَّام خواتم بدرة [ 1 ] وحثى لها من ذلك وقال : خذي فهو قليل منى ؛ فاستعبرا جميعا حتى علت أصواتهما بالبكاء أسفا على ما ابتليا به ؛ فدخل الحسين عليهما وقد رقّ لهما فقال : أشهد اللَّه أنها طالق ثلاثا ، اللَّهم قد تعلم أنى لم أستنكحها رغبة في مالها ولا جمالها ، ولكني أردت إحلالها لبعلها . فسألها عبد اللَّه أن تصرف إلى حسين ما كان قد ساق إليها من مهر ؛ فأجابته إلى ذلك ؛ فلم يقبله الحسين وقال : الذي أرجو إليه من الثواب خير لي . فلما انقضت أقراؤها تزوّجها عبد اللَّه ، وحرمها اللَّه تعالى يزيد بن معاوية . ومن مكايد معاوية أن رجلا من قريش أسر فحمل إلى صاحب القسطنطينية ، فكلَّمه ملك الروم ، فجاو به القرشىّ بجواب لم يوافقه ؛ فقام اليه رجل من بطارقة صاحب القسطنطينية فوكزه ، فقال القرشىّ : وا معاوياه ! لقد أغفلت أمورنا وأضعتنا . فوصل
--> [ 1 ] كذا في كتاب الإمامة والسياسة . وفى الأصل : « . . . خواتم برده . . . » وهو تحريف من الناسخ .