النويري
13
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال : « من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهليّة [ 1 ] » رواه البخارىّ . فقد تبيّن لك من سنّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وجوب تعظيم السلطان وتوقيره . وقال بزرجمهر : من جالس الملوك بغير أدب فقد خاطر بنفسه . وقال ابن المقفّع : من خدم السلطان فعليه بالملازمة من غير معاتبة . وقال : إن سأل السلطان غيرك فلا تكن المجيب عنه ، فإن استلابك الكلام خفّة منك واستخفاف بالسائل والمسؤول ؛ وما أنت قائل إن قال لك : ما إيّاك سألت ! أو قال لك المسؤول عند المسئلة [ يعاد له بها [ 2 ] ] : يا هذا ، دونك فأجب ؟ وإذا لم يقصد الملك بمسئلته رجلا بعينه وعمّ بها جميع من عنده فلا تبادرنّ بالجواب ، ولا تسابق الجلساء ولا تواثب بالكلام مواثبة ، فإنك إن سبقت القوم إلى الجواب صاروا لكلامك خصوما فتعقّبوه بالعيب له والطعن فيه ، وإذا أنت لم تعجل بالجواب وخلَّيته للقوم عرضت قولهم على عينك ، ثم تدبّرته وفكَّرت فيه وفيما عندك ، ثم هيّأت من تفكيرك ومما سمعت جوابا مرضيا ، ثم استدبرت به أقاويلهم حتى [ 3 ] تصغى إليك الأسماع ، ويهدأ عنك الخصوم . فإن لم يبلغك الكلام واكتفى بغيرك وانقطع الحديث فلا يكوننّ من الغبن عند نفسك فوت ما فاتك من الجواب ، فإن صيانة القول خير من سوء موضعه . وقال : إذا كلَّمك السلطان فاستمع لكلامه واصغ إليه ، ولا تشغل طرفك بنظر ، ولا أطرافك بعمل ،
--> [ 1 ] نص ما في البخاري : « من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية » . [ 2 ] الزيادة عن الأدب الكبير ، والمراد من الجملة : ما ذا أنت قائل إذا أعاد السائل السؤال على المسؤول الأول دون التفات إلى جوابك . [ 3 ] في الأدب الكبير « حين » بدل « حتى » .