النويري
144
نهاية الأرب في فنون الأدب
كان ذلك الصواب هو الذي يبصّره [ مواقع الخطأ [ 1 ] ] بألطف من تبصيرك وأعدل من حكمك في نفسه ؛ فإنّ الصواب يؤيّد بعضه بعضا ويدعو بعضه إلى بعض . وإذا كنت له مكابرا لحقك الخطر ولم تبلغ ما تريد . ولا يكونن طلبك ما عند السلطان بالمسألة ! ولا تستبطئه وإن أبطأ ، ولكن اطلب ما عنده بالاستحقاق له والاستيناء به وإن طالت الأناة ، فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب ، وإذا لم تستبطئه كان أعجل له . ولا تخبرنّ الملك أنّ لك عليه حقا ، وأنك تعتدّ [ 2 ] عليه بلاء . وإن استطعت ألَّا ينسى حقك وبلاءك فافعل . وليكن ما تذكَّره به تجديدك له النصيحة والاجتهاد ، وألَّا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره الأوّل ؛ فإنّ السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأوّل ؛ فإنّ أرحامهم منقطعة وحبالهم منصرمة إلا عمن رضوا عنه في يومهم وساعتهم . واعلم أن أكثر الناس عدوّ لصاحب السلطان ووزيره وذوى المكانة عنده ، لأنه منفوس عليه مكانه كما ينفس [ 3 ] على الملك ملكه ، ومحسود كما يحسد عليه ؛ غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على الملك ، لأن حسّاده أحباء [ 4 ] الملك الذين يشاركونه في المنزلة والدخول ، وهم حضور ، وليسوا كعدوّ الملك النائي عنه الكاتم لعداوته ؛ فهم لا يغفلون عن نصب الحبائل له . فالبس لهؤلاء الأعداء كلهم سلاح الصحّة والاستقامة ولزوم المحجّة [ 5 ] فيما تسرّ وتعلن . ثم روّح عن قلبك حتى كأنك لا عدوّ لك ولا حاسد . جانب
--> [ 1 ] زيادة عن الأدب الكبير . [ 2 ] كذا في الأدب الكبير ، وفى الأصل : « وأن تعتدّ عليه بلاء » . [ 3 ] نفس عليه مكانه من باب « فرح » لم يره أهلاله . [ 4 ] أحباء ( جمع حبأ كسبب ) : جلساء الملك وخاصته . [ 5 ] كذا في بعض نسخ الأدب الكبير . والمحجة : جادّة الطريق أي معظمه ووسطه . وفى الأصل : « ولزوم الحجة » والسياق يعين ما اخترناه .