النويري
138
نهاية الأرب في فنون الأدب
يغضب ! » . وقال بعض البلغاء : من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه فاحذره أن يكفر نعمك فيما أسديت إليه . ففوّض مدحك إلى أفعالك ، فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت ، وتذمّك بحقّ إن أسأت . ولا تغترّ بمخادعة اللسان الكذوب . فقد قيل : أبصر الناس من أحاط بذنوبه ، ووقف على عيوبه . وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر : لا ترغب في الكرامة التي تنالها من الناس كرها ، ولكن في التي تستحقّها بحسن الأثر وصواب التدبير . اعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك ، تكن أيّامك سعيدة ، وأفعالك محمودة ، والناس بك مسرورين ، ولك أعوانا مساعدين ؛ ويبقى بعدك [ في الدنيا [ 1 ] ] جميل أثرك ، وفى الآخرة جزيل أجرك . واستعذ باللَّه من صدّها فتعدل بك إلى ضدّها ، فإن الولايات كالمحكّ تظهر جواهر أربابها ، فمنهم نازل مرذول ومنهم صاعد مقبول . فقد روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « أحسنوا جوار نعم اللَّه فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم » . وتعرّض رجل ليحيى بن خالد وهو على الجسر بكتاب وسأله أن يختمه ؛ فقال : يا غلام اختم كتابه ما دام الطين رطبا ، ثم أنشد : إذا هبّت رياحك فاغتنمها وجد فلكلّ [ 2 ] خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدرى السكون متى يكون إذا نلت من سلطانك حظَّا ، وأوجبت عليه بخدمتك حقّا ، فلا تستوفه ، ودع لنفسك بقيّة يدّخرها لك ويراها حقا من حقوقك ، ويكون كفيل أدائها إليك . فإن استوفيتها برئ وصرت إلى غاية ليس بعدها إلا النقصان . قال الشاعر : إذا تمّ أمر بدا نقصه توقّع زوالا إذا قيل تمّ
--> [ 1 ] زيادة من قوانين الوزارة . [ 2 ] في قوانين الوزارة : « فإن لكل . . . » .