النويري
136
نهاية الأرب في فنون الأدب
القلوب أصدق ، ودلائل النفوس أوثق . فإن وقفت بك الحال على الارتياب ، اعتقدت المودّة في ظاهره ، وأخذت بالحزم في باطنه . وإذا أقنعك الإغضاء عن الاختبار فلا تتخطَّه ، فأكثر الأمور تمشى على التغافل والإغضاء . فقد قال أكثم بن صيفىّ : من تشدّد نفرّ ، ومن تراخى تألَّف ، والسّرو [ 1 ] في التغافل . ولقلما جوهر المغضى وقوطع المتغافل ، مع انعطاف القلوب عليه ، وميل النفوس إليه . وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق . شاور في أمورك من تثق منه بثلاث خصال : صواب الرأي ، وخلوص النية ، وكتمان السرّ . فلا عار عليك أن تستشير من هو دونك إذا كان بالشورى خبيرا ؛ فإن لكل ذي عقل ذخيرة من الرأي وحظَّا من الصواب ، فتزداد برأي غيرك [ وإن كان رأيك [ 2 ] ] جزلا ، كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار وإن كان غزيرا . وقد يفضل المستشير على المشير ؛ ويظفر المشير بالرأي ، لأنها ضالَّة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول . وعوّل على استشارة من جرّب الأمور وخبرها ، وتقلَّب فيها وباشرها ، حتى عرف مواردها ومصادرها ، فلن يخفى عليه خيرها وشرها ، ما لم يوهنه ضعف الهرم . واعدل عن استشارة من قصد موافقتك متابعة لهواك ، أو اعتمد مخالفتك انحرافا عنك ، وعوّل على من توخّى الحق لك وعليك . فقد قيل في قديم الحكم : من التمس الرّخص من الإخوان في الرأي ، ومن الأطبّاء في المرض ، ومن الفقهاء في الشّبه ، أخطأ الرأي ، وزاد في المرض ، واحتمل الوزر . ولا تؤاخذ من استشرت بدرك [ 3 ] الرأي
--> [ 1 ] في الأصل « والسرور في التغافل » وفى « كتاب التاج في أخلاق الملوك » طبع المطبعة الأميرية ص 57 و 103 : « السر والتغافل » فكلمة « السرور » في الأصل محرفة عن السرو . والسرو : السخاء في مروءة . [ 2 ] التكملة عن قوانين الوزارة . [ 3 ] الدرك : التبعة .