النويري
131
نهاية الأرب في فنون الأدب
والسابع : أن يتقاصر عن مشاكلة الملك في رتبته ، ويقبض نفسه عن مثل هيئته ، فلا يلبس مثل ملابسه ، ولا يركب مثل مراكبه ، ولا يستخدم مثل خدمه ؛ فإن الملك يأنف إن موثل ، وينتقم إن شوكل ، ويرى أن ذلك من أمواله المحتاجة ، وحشمته المستباحة . وليقتصر على نظافة لباسه وجسده من غير تصنّع ، فإن النظافة من المروءة ، والتّصنّع للنساء ؛ ليكون بالسلامة محفوظا ، وبالحشمة ملحوظا . والثامن : أن يستوفى للملك ولا يستوفى عليه ، ويتأوّل له ولا يتأول عليه ؛ فإن الملك إذا أراد الإنصاف كان عليه أقدر ، وإن لم يرده فيد الوزير معه أقصر ؛ وإنما أراد الوزير عونا لنفسه ولم يرده عونا عليها . فإن وجد إلى مساعدته سبيلا سارع إليها ، وإن خاف ضررها وانتشار الفساد بها تلطَّف في كفّه عنها إن قدر . فإن تعذّر عليه تلطَّف في الخلاص منها ؛ ولا يجهر بالمخالفة . سئل بعض حكماء الروم عن أصلح ما عوشر به الملوك ، فقال : قلة الخلاف وتخفيف المؤنة . والملوك لا يصحبون [ 1 ] إلا على اختيارهم ، ولا يتمسّكون إلا بمن وافقهم على آرائهم . وإذا روعيت أحوال الناس وجدوا لا يأتلفون إلا بالموافقة ، فكيف الملوك ! قال شاعر : الناس إن وافقتهم عذبوا أو لا فإنّ جناهم مرّ كم من رياض لا أنيس بها تركت لأنّ طريقها وعر وأما عهودها ووصاياها - فلم أر فيما طالعته في هذا المعنى أشمل ولا أكمل ولا أنفع ولا أجمع من كلام لأبى الحسن الماوردىّ ؛ فلذلك أوردته بفصّه ، وأتيت على أكثر نصّه .
--> [ 1 ] في الأصل : « لا تصحب » وهو وإن صح الا أنه لا يتناسب مع الضمائر التي بعده .