النويري
126
نهاية الأرب في فنون الأدب
والحالة الثانية : أن يبتدئ الوزير بالمشورة على الملك ، فله فيها حالتان : إحداهما : ألَّا يقع بمشورته اجتلاب نفع ولا استدفاع ضرر . فهذا تجوّز من الوزير ، وتبسّط على الملك ؛ إن أنكره فبحقه ، وإن احتمله فبفضله . والثانية : أن يتعلَّق بمشورته اجتلاب نفع ، أو استدفاع ضرر . فإن اختصّ بالمملكة كان من حقوق الوزارة ، وإن تجاوزها كان من نصح الوزير . وعليه أن يذكر سبب ابتدائه ، ويوضّح صواب رأيه . ويلزمه فيما يؤدّى به من الاستشارة ويبدأ به من المشورة ، أن يكتمه عن كل خاصّ وعامّ ؛ لأمرين : أحدهما : أن الرأي لا يجب أن يظهر إلا بالأفعال دون الأقوال ؛ لأن ظهوره بالفعل ظفر ، وظهوره بالقول خطر . وقد قيل : من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه . والثاني : أنه من أسرار الملك التي يجب أن تكتم في الصدور ، وتصان عن الظهور ؛ ليجمع بين تأدية الأمانة وطلب السلامة ؛ فإن في إفشاء سرّ الملك خطرا به وبمن أفشاه . وقلَّما تعفو الملوك عن مفشى أسرارها ؛ لتردّده بين خيانة وجناية . والثالث من قوانينها : أن يكون عينا للملك ناظرة ، وأذنا سامعة ، ينهى ما شاهد على حقّه ، ويخبر بما سمع على صدقه ؛ لأنه قد سوهم في الملك وميّز بالاختصاص ، وندب للمصالح ؛ فهو القائم مقام الملك في مشاهدة ما غاب ، وسماع ما بعد . وعليه في ذلك ثلاثة حقوق : أحدها : أن يديم الفحص عن أحوال المملكة حتى يعلم ما غاب كعلمه بما حضر ، وما خفى كعلمه بما ظهر ؛ فلا يتدلَّس عليه حقّ أمر [ 1 ] من باطله ، ولا يشتبه
--> [ 1 ] كذا في قوانين الوزارة . وفى الأصل : « حق امرئ . . . » .