النويري

96

نهاية الأرب في فنون الأدب

وليكن غضبه تغاضبا يملك به عزمه ، ويقوّم به خصمه ، فيسلم من جور غضبه ويقف على اعتدال تغاضبه . فقد قيل في بعض صحف بني إسرائيل : إذا كان الرجل ذا غضب تواترت عليه الوضائع [ 1 ] ، فكلَّما اشتدّ غضبه ازداد بلاء . وقد يقترن بالغضب لجاج يساويه في معرّته ، ويشاركه في مضرّته ؛ لأن في اللَّجاج التزام الخطأ واطَّراح الصواب . فليدع عنه لجاج الخصم الألدّ ، وليتجنّب عواقب المدل الفدم [ 2 ] . وليتابع الرأي فيما اقتضاه ؛ فلأن ينتفع بالرأي خير من أن يستضرّ بالَّلجاج . فقد قال بعض الحكماء : من استعان بالرأي ملك ، ومن كابر الأمور هلك . وقال ابن المقفّع : دع اللَّجاج فإنه يكسر عزائم العقول . وقيل : الظَّفر لمن احتجّ ، لا لمن لجّ . وليأخذ الوزير أموره بالجدّ دون الهزل . فالجدّ والهزل ضدّان متنافران ؛ لأن الجدّ من قواعد الحقّ الباعث على الصلاح ، والهزل من مرح الباطل الداعي إلى الفساد ؛ فصار فرق ما بين الجدّ والهزل هو فرق ما بين الحقّ والباطل . وتنافر الأضداد يمنع من الجمع بينهما [ 3 ] ؛ فمتى انفرد بأحدهما كان للآخر تاركا . وقد روى عن علىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه أنه قال : العقل حسام قاطع ، والحلم غطاء ساتر ، فقابل هواك [ 4 ] بعقلك ، واستر خلل خلقك بحلمك ، واستعمل الجدّ ينقد إليك الحقّ ويفارقك الباطل . ولا تعدل إلى الهزل فيتبعك الباطل وينافرك الحقّ . وقلَّما انثلمت هيبة الجدّ أو تكاملت هيبة الهزل . والهيبة أسّ السلطنة .

--> [ 1 ] الوضائع : الأثقال . [ 2 ] الفدم : الغليظ الأحمق الجافي وفى الأصل « المدل الندم » وفى قوانين الوزارة : « النذل الفدم » . وما أثبتناه مختارا من الأصل ومن قوانين الوزارة هو المناسب للسياق . [ 3 ] كان الظاهر أن تكون الجملة : وتنافر الضدين يمنع من الجمع بينهما ، أو : وتنافر الأضداد يمنع من الجمع بينها ، ليوافق الضمير مرجعه . [ 4 ] في قوانين الوزارة : « فقاتل هواك . . . » وكلتا الكلمتين يستقيم بها المعنى .