النويري

2

نهاية الأرب في فنون الأدب

ابن عبادة وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز . وكان مع كراهته للغناء أضنّ خلق اللَّه به وأشدّهم بخلا على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه ومتعصّبا له فضلا عن غيرهم . قال : وهو صحّح أجناس الغناء وطرائقه وميّزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله . وقال محمد بن عمران الجرجاني : كان واللَّه إسحاق غرّة في زمانه ، وواحدا في عصره علما وفهما وأدبا ووقارا وجودة رأى وصحّة مودّة . وكان واللَّه يخرس الناطق إذا نطق ، ويحيّر السامع إذا تحدّث ، لا يملّ جليسه مجلسه ، ولا تمجّ الآذان حديثه ، ولا تنبو النفس عن مطاولته . إن حدّثك ألهاك ، وإن ناظرك أفادك ، وإن غنّاك أطربك . وما كانت خصلة من الأدب ، ولا جنس من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على مساجلته أو مناوأته فيه . حكى أبو الفرج عن إسحاق قال : دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدىّ وفى مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن شماله . فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته . فقال المأمون : أسمعت خطأ ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين . فقال لإبراهيم بن المهدىّ : هل تسمع خطأ ؟ قال لا . قال : فأعاد علىّ السؤال ، فقلت : بلى واللَّه يا أمير المؤمنين ، وإنه لفى الجانب الأيسر . فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ . فقلت : يا أمير المؤمنين ، مر الجواري اللاتي على اليمين يمسكن ، فأمرهنّ فأمسكن ، ثم قلت لإبراهيم : هل تسمع خطأ ؟ فتسمّع ثم قال : ما هاهنا خطأ . فقلت : يا أمير المؤمنين ، يمسكن وتضرب الثانية [ 1 ] ، فأمسكن وضربت الثانية [ 2 ] ، فعرف إبراهيم الخطأ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، هاهنا خطأ . فقال المأمون عند ذلك

--> [ 1 ] في الأغانى : « الثامنة » . [ 2 ] في الأغانى : « الثامنة » .