النويري
52
نهاية الأرب في فنون الأدب
في منزلها فتغنّيهم . وغنّت عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شئ من شعره ، فشقّ ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها . فلما أفاق قال له القوم : لغيرك الجهل يا أبا الخطَّاب ؛ قال : إني سمعت واللَّه ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي . وكان حسّان بن ثابت معجبا بها ، وكان يقدّمها على سائر قيان المدينة . وقد ذكرنا خبرها مع النعمان بن بشير وحسّان بن ثابت ، وأن كلّ واحد منهما سمع غناءها ، فبكى حسّان بن ثابت واستعاد النعمان بن بشير صوتها مرارا ؛ وتقدّم أيضا من أخبارها في خبر عائشة بنت طلحة وأخبار جميلة ما يستغنى عن إعادته في هذا الموضع . فلنذكر من سواها . ذكر أخبار سلَّامة القسّ كانت سلَّامة القسّ هذه مولَّدة من مولَّدات المدينة ، وبها نشأت ، وأخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبي السّمح ومن دونهم ، فمهرت فيه . وإنما سمّيت سلَّامة القسّ لأنّ رجلا يعرف بعبد الرحمن بن أبي عمّار بن جشم بن معاوية - وكان منزله بمكة ، وهو من قرّاء أهل المدينة ، كان يلقّب بالقسّ لعبادته - شغف بها وشهر بحبها . وكان سبب ذلك أنه سمع غناءها على غير تعمّد منه فبلغ منه كلّ مبلغ . فرآه مولاها فقال : هل لك أن تدخل فتسمع ؟ فأبى . فقال له مولاها : أنا أقعدها حيث تسمع غناءها ولا تراها . فلم يزل به حتى دخل ، فأسمعه غناءها فأعجبه . فقال : هل لك أن أخرجها إليك ؟ قال لا . فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه ، فغنّت فشغف بها وشغفت به وعرف ذلك أهل مكة . فقالت له يوما : أنا واللَّه أحبّك . فقال : وأنا واللَّه الذي لا إله إلا هو أحبّك . فقالت : واللَّه أشتهي أن أعانقك وأقبّلك . فقال : واللَّه وأنا أشتهي مثل ذلك . قالت :