النويري

38

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال حجظة : وكانت وفاة أبى حشيشة بسرّ من رأى . وسببها أنه اصطبح عند قلم غلام الفضل بن كاوش في يوم بارد ؛ فقال له : أنا لا آكل إلا طعاما حارّا ، فأتاه بفجليّة باردة وقال : تساعدنى وتأكل معي ، فأكل منها فحمد قلبه فمات . ذكر أخبار القيان وأوّل من غنّى من النساء ومن اشتهر بالغناء منهنّ في الإسلام قالوا : أوّل من غنّى الغناء العربىّ جرادتا ابن جدعان . قال أبو الفرج الأصفهانىّ : قال ابن الكلبىّ : كان لابن جدعان أمتان يسمّيان الجرادتين يغنّيان في الجاهليّة ، وسمّاهما جرادتى عباد [ 1 ] ؛ ووهبهما عبد اللَّه بن جدعان لأميّة بن أبي الصّلت الثّقفىّ وكان قد امتدحه . وابن جدعان هو عبد اللَّه بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب . كان سيّدا جوادا ؛ فرأى أميّة ينظر إلى الجرادتين وهو عنده فأعطاه إياهما . وقد قيل في سبب إعطائه إياهما : إن أميّة بن أبي الصّلت قدم عليه ؛ فقال له عبد اللَّه : أمر ما أتى بك ! فقال أميّة : كلاب غرماء قد نجتنى ونهشتنى . فقال له عبد اللَّه : قدمت علىّ وأنا عليل وحقوق لحقتني ولزمتنى ، فأنظرنى قليلا وقد ضمنت قضاء دينك فلا أسألك عن مبلغه ، قال : فأقام أميّة أياما ثم أتاه فقال : أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إنّ شيمتك الحياء وعلمك بالأمور وأنت قرم لك الحسب المهذّب والسّناء كريم لا يغيّره صباح عن الخلق الكريم ولا مساء تبارى الريح مكرمة ومجدا إدا ما الكلب أحجره الشّتاء

--> [ 1 ] في الأغانى : « جرادتى عاد » .