النويري
32
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر [ 1 ] قال أبو الفرج الأصفهاني : هو من أهل الرّىّ ، مولى المنصور ، من ولد بهرام شوبين مرزبان الرىّ . قال : وهو مرتجل قليل الصّنعة حسن الغناء والنغم بقوّة وشجا واقتدار شديد على الغناء ، وكان في زمانه أحد المعدودين في حسن الأدب وتمام المروءة وحسن الزّىّ والآلة ، وكان عظيم التّيه رفيع الهمة ، وكانت له منزلة عند المأمون . قال محمد بن الحارث : كنت مع المأمون وهو يريد بلاد الروم ومعه عدّة من المغنّين ، فجلس يوما والمعتصم والعباس معه من حيث لا نراهم وهم يسمعون غناءنا ؛ فغنّى المغنّون جميعا وغنّيت هزجا لإسماعيل بن جامع ، فبعث إلىّ المأمون بأصل شاهشفرم [ 2 ] وقد لفّ أصله بمنديل حرير ؛ فجاءنى به الغلام وقال : أعد الصوت ؛ فأخذته وشممته ووثبت فأعدته قائما ، ووضعت الأصل بين يدي وشربت رطلا وقلت للمغنّين : حكم لي أمير المؤمنين بالحذق والغناء . فقالوا : وكيف ؟ قلت : دفع إلىّ لواء الغناء من بينكم . فقالوا : ليس كما ذكرت ، ولكن حيّاك إذ أطربته ، والرسول قائم فانصرف بالخبر ، فما لبث أن رجع إلىّ فقال : هو كما ذكرت . قال أبو العنبس بن حمدون : كان محمد بن الحارث أحسن خلق اللَّه شمائل وإشارة إذا غنّى . وقال أحمد بن حمدون : صنع محمد بن الحارث [ هزجا في هذا الشعر [ 3 ] ] : أمسيت عبدا مسترقّا أبكى الألى سكنوا دمشقا أعطيتهم قلبي فمن يبقى بلا قلب فأبقى !
--> [ 1 ] كذا في تصحيح كتاب الأغانى للأستاذ الشقيطى المطبوع بمصر سنة 1334 ه . وبسختر هو أحد الأعاجم من مرازبة الري موالى المنصور الخليفة العباسىّ الثاني . وفى الأصل : « بشخير » وهو تحريف . [ 2 ] في مفردات ابن البيطار : « شاهسفرم » وهو ضرب من النبات عطر الرائحة . [ 3 ] التكملة من الأغانى .