النويري
24
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال : [ يا كلب [ 1 ] ] بلغ من أمرك أنك تجسر على أن تتعلَّم الغناء بغير إذني ! ثم زاد ذلك حتى صنعت ، ولم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في دارى ، ثم تجاوزهن إلى جواري الحارث بن بسخنّر ، فاشتهرت ، وبلغ أمير المؤمنين فتنكَّر لي ولا منى ، وفضحت آباءك في قبورهم وسقطت للأبد إلا من المغنّين ! فبكيت مما جرى علىّ وعلمت أنه صدقني ؛ فرحمنى وضمّنى إليه وقال : قد صارت الآن مصيبتى في أبيك مصيبتين ، إحداهما به وقد مضى وفات ، والأخرى بك وهى موصولة بحياتى ، ومصيبة [ 2 ] باقية العار علىّ وعلى أهلي بعدى ، وبكى وقال : عزّ علىّ يا بنىّ أنّى أراك أبدا ما بقيت على غير ما أحبّ ؛ وليست لي في هذا الأمر حيلة لأنه أمر قد خرج عن يدي . وقال : جئنى بعود حتى أسمعك وأنظر كيف أنت ، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه الفضيحة وإلا جئت بك منفردا وعرّفته خبرك واستعفيته لك . فأتيت بعود وغنّيته غناء قديما ؛ فقال : لا ، بل صوتيك اللذين صنعتهما ، فغنيّته إياهما ، فاستحسنهما وبكى ، ثم قال : بطلت واللَّه يا بنىّ وخاب أملى فيك . فوا حزنا عليك وعلى أبيك ! فقلت : ليتني متّ قبل ما أنكرته أو أخرست ! ومالي حيلة ! لكني وحياتك يا سيّدى - وإلا فعلىّ عهد اللَّه وميثاقه والعتق والطلاق وكل يمين يحلف بها [ حالف [ 3 ] ] لازمة [ لي [ 3 ] ] - لا غنيّت أبدا إلا لخليفة أو ولىّ عهد . فقال : قد أحسنت فيما نبهت [ 4 ] عليه من هذا . فركب وأمر بي فأحضرت ، ووقفت بين يدي الرشيد وأنا أرعد ؛ فاستدعانى واستدنانى حتى صرت أقرب الجماعة إليه ، ومازحنى
--> [ 1 ] زيادة عن الأغانى . [ 2 ] في الأغانى : مصيبته ، ولعلها : مصيبتك . [ 3 ] زيادة عن الأغانى . [ 4 ] الذي في أساس البلاغة : « تنبهت على الأمر : تفطنت له » .