النويري

14

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة . وروى أبو الفرج الأصفهانىّ حكاية عنه أحببت أن أذكرها في هذا الموضع ، وهى ما رواه بسنده إلى محمد بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعىّ ، قال حدّثنى معبد الصغير المغنّى مولى علي بن يقطين قال : كنت منقطعا إلى البرامكة أحدّثهم وألازمهم . فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا أتاني آت فدقّ بابى ، فخرج غلامي ثم رجع إلىّ فقال لي : على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك ؛ فأذنت له ، فدخل شابّ ما رأيت أحسن وجها منه ولا أنظف ثوبا ولا أجمل زيّا منه من رجل دنف عليه آثار السّقم [ ظاهرة ] [ 1 ] . فقال لي : إني أحلول لقاءك منذ مدّة ولا أجد إلى ذلك سبيلا ، وإن لي حاجة . فقلت : وما هي ؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدىّ فقال : أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنّينى به . فقلت : هاتهما ؛ فأنشدني : واللَّه يا طرفي الجاني على بدني لتطفئنّ بدمعى لوعة الحزن أو لأبوحنّ [ 2 ] حتى يحجبوا سكنى فلا أراه وقد أدرجت في كفنى قال : فصنعت فيه لحنا ثم غنيّته إياه ، وأغمى عليه حتى ظننته قدمات ، ثم أفاق فقال : أعد ، فديتك ! فنا شدته اللَّه في نفسه وقلت : أخشى أن تموت ؛ فقال : هيهات ! أنا أشقى من ذلك . وما زال يخضع لي ويتضرّع حتى أعدته ، فصعق صعقة أشدّ من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاضت . فلما أفاق رددت عليه الدنانير فوضعتها بين يديه ، وقلت : يا هذا ، خذ دنانيرك وانصرف عنى ، قد قضيت حاجتك وبلغت وطرا مما أردته ، ولست أحبّ أن أشرك في دمك . فقال : [ يا ] [ 1 ] هذا ، لا حاجة لي في الدنانير ، وهذه مثلها لك ، ثم أخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدىّ وقال : أعد الصوت علىّ مرة أخرى وحلّ لك دمى ! فشرهت نفسي في الدنانير ،

--> [ 1 ] زيادة عن الأغانى . [ 2 ] كذا في الأغاني ، وفى الأصل : « أو لا توجن » ولا معنى له .