النويري
47
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال عبد اللَّه بن صالح رحمه اللَّه : جاء ابن أبي دلامة يوما إلى أبيه وهو في محفل من جيرانه وعشيرته فجلس بين يديه ، ثم أقبل على الجماعة فقال لهم : إنّ شيخى كما ترون قد كبر سنّه ورقّ جلده ودقّ عظمه ، وبنا إلى حياته حاجة شديدة ، فلا أزال أشير عليه بالشئ يمسك رمقه ويبقى قوّته فيخالفنى فيه ، وإني أسألكم أنّ تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته ، فأسعفونى بمسألته معي . فقالوا : نفعل حبّا وكرامة ؛ ثم أقبلوا على أبى دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حتى رضى ابنه وهو ساكت ، قال : قولوا للخبيث فليقل ما يريد ، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببليّة . فقالوا له : قل ؛ فقال : إن أبى إنما قتله كثرة الجماع ، فتعاونونى حتى أخصيه ، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون أصحّ لجسمه وأطول لعمره . فعجبوا بما أتى به وضحكوا . ثم قالوا لأبى دلامة : قد سمعت فأجب . قال : قد سمعتم أنتم فعرّفتكم أنه لم يأت بخير . قالوا : فما عندك في هذا ؟ قال : قد جعلت أمّه حكما فيما بيني وبينه ، فقوموا بنا إليها . فقاموا بأجمعهم ودخلوا إليها ، وقصّ أبو دلامة القصة عليها وقال : قد حكَّمتك . فأقبلت على الجماعة فقالت : إن ابني هذا أبقاه اللَّه قد نصح أباه ولم يأل جهدا ، وما أنا إلى « 1 » بقاء أبيه أحوج منى إلى بقائه ، وهذا أمر لم يقع به تجربة منّا ولا جرى بمثله عادة لنا ؛ وما أشك في معرفته بذلك ، فليبدأ بنفسه فليخصها ، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثّر عليه أثرا محمودا استعمله أبوه . فضحك أبوه والقوم وانصرفوا يعجبون من خبثهم جميعا . ومنهم أبو صدقة .
--> « 1 » كذا في الأغانى . وفي الأصول : « ما أنا إلا إلى » .