النويري

32

نهاية الأرب في فنون الأدب

ثم مرّ بالآخر فندم على ترك الأوّل فأناخ راحلته وانصرف إلى الأوّل وقد كمن له حنين ، فأخذ الراحلة وذهب بها وأقبل الأعرابىّ إلى أهله ليس معه غير خفّى حنين ، فذهبت مثلا : يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة . وقولهم : « ربّ ساع لقاعد ، وآكل غير حامد » أوّل من قاله النابغة الذّبيانى ، وكان سبب ذلك أن وفدا وفد إلى النعمان وفيهم رجل من بنى عبس يقال له : شقيق ، فمات عنده ، فلما حبا النعمان الوفود بعث بحبائه إلى أهله ، فقال النابغة في ذلك أتى أهله منه حباء ونعمة وربّ امرئ يسعى لآخر قاعد وقولهم : « ربّ ملوم لا ذنب له » قاله أكثم بن صيفىّ ، معناه قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون عذره ؛ وقيل : إن رجلا قال للأحنف ابن قيس : أنا أبغض التمر والزبد ، فقال : ربّ ملوم لا ذنب له . وقولهم : « ربّ كلمة تقول لصاحبها دعني » : يضرب في النهى عن الإكثار مخافة الإهجار ؛ ذكروا أن ملكا من ملوك حمير خرج إلى الصيد ومعه نديم له فوقفا على صخرة ملساء ، فقال النديم : لو أن إنسانا ذبح على هذه الصخرة إلى أين كان يبلغ دمه ، فأمر بذبحه ، وقال : ربّ كلمة تقول لصاحبها دعني . ومثله قولهم : « ربّ رأس حصيد لسان » : يضرب للأمر بالسكوت . وقولهم : « ردّ الحجر من حيث جاءك » : أي لا تقبل الضّيم وارم من رماك .