النويري
22
نهاية الأرب في فنون الأدب
بنية ! إن الفتى شديد الحجاب ، كثير العتاب ، قالت : إن الشيخ يبلى شبابي ، ويدنّس ثيابي ، ويشمت بي أترابى . فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها ، فتزوّجها الحارث على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم ، فابتنى بها ، ثم رحل بها إلى قومه فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قومه وهى إلى جانبه ، إذ أقبل شباب من بنى أسد يعتلجون فتنفست الصّعداء ، ثم أرخت عينيها بالبكاء ، فقال : ما ببكيك ؟ قالت : مالي وللشيوخ ، الناهضين كالفروخ ، فقال لها : ثكلتك أمّك ! تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها ، ثم قال لها : وأبيك ، لرب غارة شهدتها ، وسبيّة أردفتها ، وخمرة شربتها ، فالحقى بأهلك فلا حاجة لي فيك ، وهذا المثل يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس المكاسب . وقولهم : « تجشّأ لقمان من غير شبع » : يضرب لمن يدّعى ما ليس يملك . وقولهم : « تخبر عن مجهوله مرآته » : أي منظره يخبر عن مخبره . وقولهم : « تشكو إلى غير مصمّت » : أي إلى من لم يهتم بشأنك . قال الشاعر إنك لا تشكو إلى مصمّت فاصبر على الحمل الثقيل أو مت وقولهم : « تجاوز الرّوض إلى القاع القرق » : يضرب لمن يعدل بحاجته من الكريم إلى اللئيم ، والقرق : المستوى . وقولهم : « تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه » ويروى : لا أن تراه : يضرب لمن خبره خير من مرآه ، أوّل من قاله : المنذر بن ماء السماء .