النويري

56

نهاية الأرب في فنون الأدب

من كلَّى . فالبيض عندي سود ، والقريب منّى بعيد ! قد أحاط الوجع أجفانى ، وقبض عن التصرّف بنانى ؛ ففراغى شغل ، ونهاري ليل ، وطوال الخطا قصار ، وقصار أوقاتي طوال . وأنا ضرير وإن عددت في البصراء ، وأمّىّ وإن كنت من جملة الكتّاب والقرّاء . قد قصرت العلة خطوتى قلمي وبنانى ، وقامت بين يدي ولساني . وقد كانت العرب تزاوج بين كلمات ، فيقولون : القلَّة ذلَّة ، والوحدة وحشة ، والهوى هوان ، والأقارب عقارب ، والمرض حرض ، والرّمد كمد ، والعلة قلَّة ، والقاعد مقعد . واللَّه تعالى أعلم . فصل في ترتيب البكاء إذا تهيأ الرجل للبكاء ، قيل : أجهش . فإذا امتلأت عينه دموعا ، قيل : أغرورقت عينه ، وترقرقت . فإذا سالت ، قيل : دمعت ، وهمعت . فإذا كثرت دموعه ، قيل : همت . فإن كان لبكائه صوت ، قيل نحب ونشج . فإذا صاح مع بكائه ، قيل : أعول . قال سلم الخاسر : أتتني تؤنّبنى في البكاء فأهلا بها ، وبتأنيبها ! تقول ، وفي قولها حشمة : أتبكى بعين تراني بها ؟ فقلت : إذا استحسنت غيركم ، أمرت الدّموع بتأديبها .