النويري
22
نهاية الأرب في فنون الأدب
وتأمل حكيم شيبه فقال : مرحبا بزهرة الحنكة ويمن الهدى ومقدّمة العفّة ولباس التقوى . وقيل : دخل أبو دلف على المأمون وعنده جارية له ، وكان أبو دلف قد ترك الخضاب ، فأشار المأمون إلى الجارية فقالت له : شبت يا أبا دلف ، إنا للَّه وإنا اليه راجعون . فسكت عنها أبو دلف ، فقال له المأمون : أجبها ، فقال : تهزّأت إذ رأت شيبى فقلت لها : لا تهزئى من يطل عمر به يشب ! شيب الرجال لهم زين ومكرمة ، وشيبكن لكنّ الويل فاكتئبى ! فينا لكنّ - وإن شيب بدا - أرب ، وليس فيكنّ بعد الشّيب من أرب ! وقال آخر : أهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا ، أهلا به من وافد ونزيل ! أهدى الوقار وذاد كلّ جهالة كانت ، وساق إلى كلّ جميل . فصحبت في أهل التقى أهل النهى ولقيت بالتعظيم والتبجيل . ورأى لي الشّبّان فضل جلالة لما اكتهلت ، وكنت غير جليل . فإذا رأوني مقبلا ، نهضوا معا : فعل المقرّ لهيبة التفضيل . إن قلت ، كنت مصدّقا في منطقي ، ماضي المقالة حاضر التعديل . وقال مسلم بن الوليد : الشّيب كره ، وكره أن يفارقني أعجب لشئ على البغضاء مودود . وقال علىّ بن محمد الكوفىّ : بكى للشّيب ، ثم بكى عليه وكان أعزّ من فقد الشّباب . فقل للشّيب : لا تبرح حميدا إذا نادى شبابك بالذّهاب .