النويري
83
نهاية الأرب في فنون الأدب
فبشّرت بالقطر كلّ شائم ، وأنذرت بالورد كلّ حائم ، والريح تنثّها ، والبرق يحثّها ، كأنه قضيب من ذهب ، أو لسان من لهب ؛ وللسحاب من ضوء البرق هاد ، ومن صوت الرعد حاد ؛ والريح توسع بلحمتها سداها ، وتسرع في حياكتها يداها . فلما التحم فتقها ، والتأم رتقها ؛ وامتدّت أشطانها ، واتسعت أعطانها ؛ وانفسحت أجنابها ، وانسدلت أطنابها ؛ وتهدّل خملها ، وتمخض حملها ؛ ومدّت على آفاق السماء نطاقها ، وزرّت على أعناق الجبال أطوافها ، كأنها بناء على الجوّ مقبوب ، أو طبق على الأرض مكبوب ؛ تمشى من الثقل هونا ، وتستدعى من الريح عونا ؛ ومخايلها تقوى ، وعارضها أحوى . فلما أذن اللَّه لها بالأنحدار ، وأنزل منه الودق بمقدار ، أرسلت الريح خيوط القطر من رود السحائب ، وأسبلتها إسبال الذوائب . فدرّت من خلف مصرور ، ونثرت طلَّها نثر الدرور . ثم انخرق جيبها ، وانبثق سيبها ؛ وصار الخيط حبلا ، والطلّ وبلا . فالسحاب يتعلَّق ، والبرق يتألَّق ؛ والرعد يرتجس ، والقطر ينبجس ؛ والنّقط تترامى طباقا ، وتتبارى اتساقا ؛ فيردف السابق المصلَّى ، ويتصل التابع بالمولَّى ؛ كما يقع من المنخل البر ، وينتثر من النظام الدّرّ ؛ فجيوب السماء تسقطه ، وأكفّ الغدران تلقّطه ؛ والأرض قد فتحت أفواها ، وجرعت أمواها . حتّى أخذت ريّها من المطر ، وبلغت منه غاية الوطر ، خفى من الرعد تسبيحه ، وطفئت من البرق مصابيحه ، وحسرت السماء نقابها ، وولَّت المطر أعقابها ؛ وحكت في ردّها طلق السابق ، وهرب الآبق . ومن رسالة لمحمد بن شرف القيرواني : برئ عليل البرى ، وأثرى فقير الثرى ، وتاريخ ذلك انصرام ناجر [ 1 ] ، وقد بلغت القلوب
--> [ 1 ] رجب أو صفر . وكل شهر من شهور الصيف ( قاموس ) .