النويري

396

نهاية الأرب في فنون الأدب

ويقال : إن طولها كان ألف ذراع . وكان في أعلاها تماثيل من نحاس . منها تمثال قد أشار بسبابته اليمنى نحو الشمس : أينما كانت من الفلك ، يدور معها حيثما دارت . ومنها تمثال وجهه في البحر متى صار العدوّ منهم على نحو من ليلة ، سمع له صوت هائل يعلم به أهل المدينة طروق العدوّ . ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة ، صوّت صوتا مطربا . ويقال : إنه كان بأعلاها مرآة ترى منها قسطنطينيّة ، وبينهما عرض البحر . وكلما جهز الروم جيشا رؤى في المرآة . وحكى المسعودىّ في « مروج الذهب » أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية ، وأنها تعدّ من بناء العالم العجيب ، بناها بعض البطالسة من ملوك اليونان يقال له الإسكندر ، لما كان بينهم وبين الروم من الحروب في البرّ والبحر . فجعلوا هذه المنارة مرقبا ، وجعلوا في أعلاها مرآة من الأحجار المشفّة ، تشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها . ولم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون ، فاحتال ملك الروم على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ أحد خواصّه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام على أنه راغب في الإسلام . فوصل إلى الوليد وأظهر الإسلام ، وأخرج كنوزا ودفائن كانت في الشام حملت الوليد على تصديقه فيما يدّعيه . ثم قال له : إن تحت المنارة أموالا ودفائن وأسلحة ، دفنها الإسكندر . فصدّقه وجهّزه مع جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية ، فهدم ثلث