النويري

388

نهاية الأرب في فنون الأدب

فأما الأهرام التي بأرض مصر فهي كثيرة . وأعظمها الهرمان اللذان بالجيزة غربىّ مصر . وقد اختلف في بانيهما . فقال قوم : بانيهما سوريد بن سهلوق بن سرناق . بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها ، فقصّها على الكهنة ، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث في العالم ، فأقاموا مراكزها في وقت المسألة . فدلت على أنها نازلة من السماء تحيط بوجه الأرض . فأمر حينئذ ببناء البرابى والأهرام ، وصوّر فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار الطبائع والنواميس وعمل الصنعة . ويقال إن هرمس المثلث بالحكمة ( وهو الذي يسميه العبرانيون أخنخ ، وهو إدريس عليه السلام ) استدلّ من أحوال الكواكب على كون الطوفان . فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه الذهاب والدّثور . وكل هرم منها مربع القاعدة ، مخروط الشكل ، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر دراعا ، يحيط به أربعة سطوح متساويات الأضلاع ، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا ، ويرتفع إلى أن يكون سطحه مقدار ستة أذرع في مثلها . ويقال إنه كان عليه حجر شبه المكبّة فرمته الرياح العواصف . وهو مع هذا العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندسة وحسن التقدير بحيث إنه لم يتأثر إلى يومنا هذا بعصف الرياح وهطل الأمطار وزعزعة الزلازل ؛ وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين .