النويري

381

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومن المباني القديمة الحضر وكان حصنا حصينا مبنيّا بالرّخام ، يسكنه ملوك الضّيازن . وهو بين دجلة والفرات ، بحيال تكريت . ويقال إن بانيه الساطرون . وذكر أن قصر ملكه قائم إلى وقتنا هذا في وسط المدينة ، وفى وسطه هيكل مربّع مبنىّ بالصخر ، وفيه صور دقيقة المعاني . حكى أن سابور الجنود حاصره أربع سنين فلم يقدر عليه . واتفق أن بنت ملكه وهى النضرة [ 1 ] بنت الضّيزن حاضت ، فأخرجت من القصر إلى ربضه لأجل ذلك . فرأت سابور ، وكان جميل الصورة ، فعشقته . فأرسلت إليه تقول : إن ملَّكتك الحصن فما تجعل لي ؟ قال : حكَّمتك . قالت : تتزوّج بي . فأجابها إلى ذلك ، فقالت له : خذ حمامة ورقاء مطوّقة ، فاخضب رجليها بدم حيض جارية بكر زرقاء ، وأرسلها . فإنها تقع على سور البلد فيقع لوقته . وكان ذلك حلّ طلَّسم له . ففعل ذلك ، فوقع السّور ودخل سابور الحصن وقتل ملكه وأصحابه واصطفى ابنته لنفسه . فلما كانت ليلة دخولها عليه ، لم تزل متململة قلقلة طول ليلتها ، فالتمس سابور ما الذي قلقت من أجله ، فإذا ورقة آس قد لصقت بعكنة من عكنها ، فقال لها : ما كان أبوك يغذوك ؟ فقالت : الزّبد والمخّ وشهد أبكار النحل والخمر ، فقال لها : أنا أحقّ منك بثار أبيك ، ثم أمر رجلا أن يركب فرسا جموحا وأن يربط غدائرها في ذنبه ويركض به . ففعل ذلك ، فتقطَّعت .

--> [ 1 ] في ياقوت : « النضيرة » .