النويري

355

نهاية الأرب في فنون الأدب

يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن اللَّه عز وجل قال * ( ( ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُه وما كانُوا يَعْرِشُونَ ) ) * . فما ظنّك يا أمير المؤمنين بشئ دمره اللَّه ، هذا بقيّته ؟ . قال : ثم قلت : لقد بلغني أن أرضا لم تكن أعظم من مصر ، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها . وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتقدير حتّى إن الماء يجرى تحت منازلهم وأفنيتهم : يحبسونه متى شاؤوا ، ويرسلونه متى شاؤوا . وكانت البساتين بحافتى النيل من أوّله إلى آخره ، ما بين أسوان إلى رسيد إلى الشام متصلة لا تنقطع . ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر . وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر . ومن فضائلها النيل ، وقد تقدّم ذكره في باب الأنهار . ومن عجائبها الهرمان وسيأتي ذكرهما في باب المباني القديمة إن شاء اللَّه تعالى . ومن عجائبها أن أهلها مستغنون عن كل بلد ، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور ، استغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا . وفيها ما ليس في غيرها ، وهو حيوان السّقنقور ، والنّمس . ولو لاه لأكلت الثعابين أهلها ؛ وهو لها كقنافدّ سجستان لأهلها . وفيها سمك يسمّى الرّعّاد . وهو سمك إذا أمسكه إنسان أو أمسك ما يتصل به من خيط الصّنارة أو الشبكة التي يقع فيها ، ارتعدت يده . والحطب السّنط الذي لو وقد منه يوما وجمع ما وجد من رماده كان ملء كفّ . وهو صلب العود ، سريع الوقود ، بطىء الخمود . ويقال : إنه الآبنوس ، وإنما البقعة قصّرت عن الكيان فجاء أحمر شديد الحمرة .