النويري
287
نهاية الأرب في فنون الأدب
قسّ الطيور الساجعات بلاغة وفصاحة من منطق وبيان . فإذا أتيح لها الكلام تكلَّمت بخرير ماء دائم الهملان . وكأنّ صانعها استبدّ بصنعة فخر الجماد بها على الحيوان ! أوفت على حوض لها فكأنّها منها إلى العجب العجاب روان . وكأنّها ظنّت حلاوة مائها شهدا ، فذاقته بكلّ لسان . وزرافة في الجوّ من أنبوبها ماء يريك الجرى في الطَّيران . مركوزة كالرّمح حيث ترى له من طعنه الحلق انعطاف سنان . وكأنّما ترمى السماء ببندق مستنبط من لؤلؤ وجمان ! لو عاد ذاك الماء نفطا ، أحرقت في الجوّ منه قميص كلّ عنان . في بركة قامت على حافاتها أسد تذلّ لعزّة السّلطان ! نزعت إلى ظلم النفوس نفوسها ، فلذلك انتزعت من الأبدان . وكأنّما الحيّات من أفواهها يطرحن أنفسهنّ في غدران . وكأنّما الحيتان إذ لم تخشها ، أخذت من المنصور عهد أمان ! وقال آخر : ولقد رأيت ، وما رأيت كبركة في الحسن ذات تدفّق وخرير ! عقدت لها أيدي المياه قناطرا من جوهر في لجّة من نور ! وقال علىّ بن الجهم ، يصف فوّارة : وفوّارة ثارها في السّماء ، فليست تقصّر عن ثارها ! تراها إذا صعدت في السّماء تعود الينا بأخبارها . تردّ على المزن ما أنزلت على الأرض من صوب مدرارها !