النويري
194
نهاية الأرب في فنون الأدب
وسبب ذلك - على ما نقله المؤرّخون - أنه كان مجاورا للبرجان ، فضاق بهم ذرعا من كثرة غاراتهم على بلاده . فهمّ أن يصانعهم ويقرّر لهم عليه إتاوة في كل عام ليكفّوا عنه . فرأى ليلة في المنام أن ملائكة نزلت من السماء ومعها أعلام عليها صلبان ، فحاربت البرجان فهزموهم . فلما أصبح ، عمل أعلاما وصوّر فيها صلبانا ، ثم قاتل بها البرجان فهزمهم . وقيل إنه رأى في المنام صلبانا من نور في السماء ، وقائلا يقول له : اعمل مثل هذا على رؤوس أعلامك وقاتل بها فنصر . فأمر أهل مملكته بالرجوع عن دينهم والدّخول في دين النصرانية ، وأن يقصوا شعورهم ، ويخلقوا لحاهم . وإنما فعل ذلك بهم لأن رسل عيسى عليه السلام كانوا قد وردوا على اليونان من قبل يأمرونهم بالتعبد بدين النصرانية ، فأعرضوا عنهم ، ومثّلوا بهم هذه المثلة نكالا بهم . ففعلوا ذلك تأسّيا بهم . ولما تنصر قسطنطين ، خرجت أمه هيلانى إلى الشام ، فبنت الكنائس ، وسارت إلى بيت المقدس ، فطلبت الخشبة التي صلب عليها المسيح ، على ما يزعمون . وكانت مدفونة في مزبلة . فأخرجت منها ، وفيها مواضع سبعة مسامير فلما حملت إليها ، غلفتها بالذهب وحملتها إلى ابنها . واتخذت يوم رؤيتها لها عيدا . قال المسعودىّ : وذلك لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول ، ووافق ذلك سبع عشرة ليلة خلت من توت من شهور القبط . وكان من مولد عيسى إلى اليوم الذي وجدت فيه الخشبة ثلاثمائة وثمان وعشرون سنة . وسيأتي ذكر ذلك إن شاء اللَّه تعالى في أخبار الروم في فنّ التاريخ ، وهو في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب .