النويري

166

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان جملة ما يعتقدونه من الدّين تعظيم الأشهر الحرم الأربعة ، وكانوا يتحرّجون فيها من القتال . وكانت قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا في شهر حرام ، حرموا مكانه شهرا من أشهر الحلّ ، ويقولون نسئ الشهر . وحكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية ( على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ) أن أوّل من نسأ الشهور على العرب ، وأحلّ منها ما أحلّ ، وحرّم ما حرّم ، القلمّس . وهو حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحرث بن مالك بن كنانة بن خزيمة . ثم قام بعده ولده عباد ، ثم قام بعد عباد ابنه قلع ، ثم قام بعد قلع ابنه أمية ، ثم قام بعد أمية ابنه عوف ، ثم قام بعد عوف ابنه أبو ثمامة جنادة ، وعليه ظهر الإسلام . فكانت العرب إذا فرغت من حجها ، اجتمعت عليه بمنى ، فقام فيها على جمل ، وقال بأعلى صوته : « اللهم إني لا أخاف ولا [ 1 ] أعاف ، ولا مردّ لما قضيت ! اللهم إني أحللت شهر كذا ( ويذكر شهرا من الأشهر الحرم ، وقع اتفاقهم على شنّ الغارات فيه ) وأنسأته إلى العام القابل ( أي أخرت تحريمه ) وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي ! » وكانوا يحلون ما أحلّ ، ويحرّمون ما حرّم . وفى ذلك يقول عمرو بن قيس بن جذل الطَّعان ، من أبيات يفتخر : ألسنا الناسئين على معدّ شهور الحلّ ، نجعلها حراما ؟ وحكى السهيلىّ في كتابه المترجم « بالروض الأنف » أن نسىء العرب كان على ضربين : أحدهما تأخير المحرّم إلى صفر لحاجاتهم إلى شنّ الغارات وطلب الثأر ، والثاني تأخير الحج عن وقته تحرّيا منهم للسنة الشمسية . فكانوا يؤخرونه في كل عام

--> [ 1 ] في اللسان : « أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لي قضاء » .