النويري

146

نهاية الأرب في فنون الأدب

وعهدي بها ، والليل ساق ووصلنا عقار ، وفوها الكأس أو كأسها الفم . إلى أن بدرنا بالنجوم ، وغربها يفضّ عقود الدّرّ والشّرق ينظم . ونبّهت فتيان الصّبوح للذّة تلوح كدينار يغطَّيه درهم . ومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانى ، عفا اللَّه عنه . جاء منها : « فلما قضى الليل نحبه ، وأرسل الصباح على دهمه شهبه ؛ شمّر الليل إزاره ، ووضع النجم أوزاره ؛ ونزح بالطَّيف طاردا ، وظلّ وراء الصبح ناشدا ؛ وفجر الفجر نهر النهار ، واستردّ البنفسج وأهدى البهار ؛ فمواكب الكواكب منهزمه ، وغرّة الفجر كغرّة مولاي مبتسمه » . ومما يدخل في هذا الباب ، ما حكى أن بعض الأعراب تزوّج بأربع نسوة ، فأراد أن يختبر عقولهنّ . فقال لإحداهنّ : إذا دنا الصبح فأيقظينى . فلما دنا الصبح ، قالت له : قم ، فقد دنا الصبح ! فقال : وما يدريك ؟ قالت : غارت صغار النجوم وبقى أحسنها وأضوؤها وأكبرها ، وبرد الحلىّ على جسدي ، واستلذذت باستنشاق النسيم . فقال لها : إن في ذلك دليلا . ثم بات عند الثانية ، فقال لها مثل مقالته للأولى . فلما دنا الصبح ، أيقظته . فقال لها : وما يدريك ؟ قالت : ضحكت السماء من جوانبها ، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها ، وعيني تطالبنى بإغفاءة الصباح . فقال لها : إن في ذلك دليلا .