النويري
125
نهاية الأرب في فنون الأدب
أحمده على نعمه التي لا يقوم بشكرها لسان ، ولا يؤدّى واجب حقها إنسان ؛ حمدا يجلب إلى الحامد أنواع الإحسان ، ويسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان . وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الذي أنار اللَّه بوجوده ظلمة الوجود ، وأظهر بظهوره أفعال الركوع والسجود ؛ صلَّى اللَّه وسلم عليه وعلى آله الوافين بالعهود ، وعلى أصحابه أهل الإفضال والجود ، صلاة وسلاما دائمين إلى اليوم الموعود ! وبعد فإن فنون الآداب كثيرة الشعوب ، متباينة الأسلوب ؛ طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جدّ ومجون ، وكيف لا والحديث ذو شجون . وكنت بحمد اللَّه ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب ، وعلى إظهار لطائف لغة العرب ؛ فتمثّل في خاطري المفاخرة بين الشمعدان والقنديل ، ولا بدّ من إبراز المفاخرة بينهما في أحسن تمثيل ؛ لأنهما آلتا نور ، ونديما سرور ؛ طالما مزّقا جلباب الدّجى بأضوائهما ، وحسما مادّة الظلمة بأنوارهما ؛ وطلعا في سماء المجالس بدورا ، وأخجلا نور الرياض لما أصدرا من جوهرهما نورا . سماكل واحد منهما إلى أنه الأصل ، وأن بمدحه يحسن الفصل والوصل ؛ وأنه الجوهرة اليتيمه ، والبدرة التي ليست لها قيمه ؛ سارت بمحاسنه ركائب الركبان ، ونظمت في جيد مجده قلائد العقيان . فأحببت أن أنظمهما في ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحة ، ويظهر نقائص صاحبه الفاضحة ؛ وليتسنم غارب الاستحقاق بالفضيله ، ويؤكد في تقرير فضائله الراجحة دليله ؛ مع أنه لا تقبل الدّعاوى إلا بالبرهان ، ولعمرى لقد قيل قدما : من تحلَّى بغير ما هو فيه فضحته شواهد الامتحان .