النويري
96
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال إبّقراط : إنّ تغير حالات الهواء هو الذي يغير حالات الناس مرة إلى الغضب ، ومرة إلى السكون ، وإلى الهمّ والسرور ، وغير ذلك . وإذا استوت حالات الهواء ، استوت حالات الناس وأخلاقهم . وقال : إن قوى النفوس تابعة لأمزجة الأبدان ، وأمزجة الأبدان تابعة لتصرف الهواء ، إذا برد مرة ، وسخن مرة ، خرج مرة الزرع نضيجا ، ومرة غير نضيج ، ومرة قليلا ، ومرة كثيرا ، ومرة حارّا ، ومرة باردا ، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم . وإذا استوى واعتدل الهواء ، خرج الزرع معتدلا ، فاعتدلت بذلك الصور والمزاجات . قال : والعلة في تشابه التّرك ، هو أنه لما استوى هواء بلادهم في البرد استوت صورهم وتشابهوا . وقال : إنّ الرياح تقلب الحيوان حالا إلى حال ، وتصرفه من حرّ إلى برد ، ومن يبس إلى رطوبة ، ومن سرور إلى حزن ؛ وإنها تغير ما في البيوت من أصناف المآكل كالتمر ، والعسل ، والسمن ، والشراب ، فتسخنها مرة ، وتبردها أخرى ، وتصلَّبها مرة ، وتيبّسها مرة . وعلة ذلك أنّ الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها ؛ وإذا تغير الهواء ، تغير بتغيره كل شئ . وقال : إنّ الجنوب إذا هبت ، أذابت الهواء وبرّدته ، وسخنت البحار والأنهار . فكل شئ في رطوبة تغير لونه وحالاته . وهى ترخى الأبدان والعصب ، وتورث الكسل ، وتحدث ثقلا في الأسماع ، وغشاوة في الأبصار . وأما الشّمال فإنها تصلب الأبدان ، وتصحح الأدمغة ، وتحسن اللون ، وتصفى الحواس ، وتقوّى الشهوة والحركة ، غير أنها تهيج السعال ، ووجع الصدر .