مجد الدين ابن الأثير
360
النهاية في غريب الحديث والأثر
وحضور النية والقلب في العبادات والطاعات ، والإكثار منها ، فإن من يعلم أنه يموت غدا يكثر من عبادته ويخلص في طاعته . كقوله في الحديث الآخر ( صل صلاة مودع ) . قال بعض أهل العلم : المراد من هذا الحديث غير السابق إلى الفهم من ظاهره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ندب إلى الزهد في الدنيا ، والتقليل منها ، ومن الانهماك فيها والاستمتاع بلذاتها ، وهو الغالب على أوامره ونواهيه فيما يتعلق بالدنيا فكيف يحث على عمارتها والاستكثار منها ، وإنما أراد - والله أعلم - أن الانسان إذا علم أنه يعيش أبدا قل حرصه . وعلم أن ما يريده لن يفوته تحصيله بترك الحرص عليه والمبادرة إليه ، فإنه يقول : إن فاتني اليوم أدركته غدا ، فإني أعيش أبدا ، فقال عليه الصلاة والسلام : اعمل عمل من يظن أنه يخلد فلا يحرص في العمل ، فيكون حثا له على الترك والتقليل بطريقة أنيقة من الإشارة والتنبيه ، ويكون أمره لعمل الآخرة على ظاهره ، فيجمع بالأمرين حالة واحدة وهو الزهد والتقليل ، ولكن بلفظين مختلفين . وقد اختصر الأزهري هذا المعنى فقال : معناه تقديم أمر الآخرة وأعمالها حذار الموت بالفوت على عمل الدنيا ، وتأخير أمر الدنيا كراهية الاشتغال بها عن عمل الآخرة . ( ه ) وفي حديث عبد الله ( احرثوا هذا القرآن ) أي فتشوه وثوروه . والحرث : التفتيش . ( ه ) وفيه ( أصدق الأسماء الحارث ) لأن الحارث هو الكاسب ، والإنسان لا يخلو من الكسب طبعا واختيارا . [ ه ] ومنه حديث بدر ( اخرجوا إلى معايشكم وحرائثكم ) أي مكاسبكم ، واحدها حريثة . قال الخطابي : الحرائث : أنضاء الإبل ، وأصله في الخيل إذا هزلت فاستعير للإبل ، وإنما يقال في الإبل أحرفناها بالفاء . يقال ناقة حرف : أي هزيلة . قال : وقد يراد بالحرائث المكسب ، من الاحتراث : الاكتساب . ويروى ( حرائبكم ) بالحاء والباء الموحدة وقد تقدم . ( س ) ومنه قول معاوية ( أنه قال لأنصار : ما فعلت نواضحكم ؟ قالوا : حرثناهم يوم بدر ) أي أهزلناها . يقال حرثت الدابة وأحرثتها بمعنى أهزلتها . وهذا يخلف قول الخطابي .