مجد الدين ابن الأثير
6
النهاية في غريب الحديث والأثر
عبيدة ، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه . ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي - وكان في عصر أبي عبيدة وتأخر عنه - كتابا أحسن فيه الصنع وأجاد ، ونيف على كتابه وزاد ، وكذلك محمد ابن المستنير المعروف بقطرب ، وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث تكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد ، ولم يكد أحدهم ينفرد عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر . واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام وذلك بعد المائتين ، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار الذي صار - وإن كان أخيرا - أولا ، لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الجمة ، فصار هو القدوة في هذا الشأن فإنه أفنى فيه عمره وأطاب به ذكره ، حتى لقد قال فيما يروى عنه : ( إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة ، وهو كان خلاصة عمري ) . ولقد صدق رحمه الله فإنه احتاج إلى تتبع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثرتها وآثار الصحابة والتابعين على تفرقها وتعددها ، حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها وحفظ روتها ، وهذا فن عزيز شريف لا يوفق له إلا السعداء . وظن رحمه الله - على كثرة تعبه وطول نصبه - أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثر الآثار ، وما علم أن الشوط بطين ( 1 ) والمنهل معين . وبقي على ذلك كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه ، ويعتمدون في غريب الحديث عليه ، إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمه الله ، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار ، حذا فيه حذو أبي عبيد ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا ما دعت إليه حاجة من زيادة وبيان أو استدراك أو اعتراض ، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه . وقال في مقدمة كتابه : ( وقد كنت زمانا أرى أن كتاب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث ، وأن النظر فيه مستغن به . ثم تعقبت ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة فوجدت ما ترك نحوا مما ذكر ، فتتبعت ما أغفل وفسرته على نحو مما فسر ، وأرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال ) . وقد كان في زمانه الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي رحمه الله ، وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث ، وهو كتاب كبير ذو مجلدات عدة ، جمع فيه وبسط القول وشرح ، واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها ، وأطاله بذكر متونها وألفاظها ، وإن لم يكن فيها إلا كلمة واحدة غريبة ، فطال ذلك كتابه وبسبب طوله ترك وهجر ، وإن كان كثير الفوائد جم المنافع ، فإن الرجل كان إماما حافظا متقنا عارفا بالفقه والحديث واللغة والأدب رحمة الله عليه .
--> ( 1 ) أي بعيد .