مجد الدين ابن الأثير
228
النهاية في غريب الحديث والأثر
أي عملك فأصلح . ويقال فلان دنس الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب . وهذا كالحديث الآخر ( يبعث العبد على ما مات عليه ) قال الهروي : وليس قول من ذهب به إلى الأكفان بشئ ، لأن الانسان إنما يكفن بعد الموت . ( س ) وفيه ( من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة ) أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن ، بأن يصغره في العيون ويحقره في القلوب . ( س ) وفيه ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) المشكل من هذا الحديث تثنية الثوب ، قال الأزهري : معناه أن الرجل يجعل لقميصه كمين ، أحدهما فوق الآخر ليري أن عليه قميصين ، وهما واحد . وهذا إنما يكون فيه أحد الثوبين زورا لا الثوبان . وقيل : معناه أن العرب أكثر ما كانت تلبس عند الجدة والقدرة إزارا ورداء ، ولهذا حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد قال : أوكلكم يجد ثوبين ؟ وفسره عمر رضي الله عنه بإزار ورداء ، وإزار وقميص وغير ذلك . وروي عن إسحاق بن راهويه قال : سألت أبا الغمر الأعرابي - هو ابن ابنة ذي الرمة - عن تفسير ذلك فقال : كانت العرب إذا اجتمعوا في المحافل كانت لهم جماعة يلبس أحدهم ثوبين حسنين ، فإن احتاجوا إلى شهادة شهد لهم بزور ، فيمضون شهادته بثوبيه . يقولون : ما أحسن ثيابه ؟ وما أحسن هيئته ؟ فيجيزون شهادته لذلك ، والأحسن فيه أن يقال : المتشبع بما لم يعط : هو أن يقول أعطيت كذا ، لشئ لم يعطه ، فأما إنه يتصف بصفات ليست فيه ، يريد أن الله منحه إياها ، أو يريد أن بعض الناس وصله بشئ خصه به ، فيكون بهذا القول قد جمع بين كذبين : أحدهما اتصافه بما ليس فيه وأخذه ما لم يأخذه ، والآخر الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس . وأراد بثوبي الزور هذين الحالين اللذين ارتكبهما واتصف بهما . وقد سبق أن الثوب يطلق على الصفة المحمودة والمذمومة ، وحينئذ يصح التشبيه في التثنية ، لأنه شبه اثنين باثنين . والله أعلم . ( ثور ) ( ه ) فيه ( أنه أكل أثوار أقط ) الأثوار جمع ثور ، وهي قطعة من الأقط ، وهو لبن جامد مستحجر . ومنه الحديث ( توضأوا مما مست النار من ثور أقط ) يريد غسل اليد والفم منه . ومنهم من حمله على ظاهره وأوجب عليه وضوء الصلاة .