مجد الدين ابن الأثير

174

النهاية في غريب الحديث والأثر

بالغير ، ولكنه منعقد لأن نفس البيع غير مقصود بالنهي ، فإنه لا خلل فيه . الثاني أن يرغب المشتري في الفسخ بعرض سلعة أجود منها بمثل ثمنها ، أو مثلها بدون ذلك الثمن ، فإنه مثل الأول في النهي وسواء كانا قد تعاقدا على المبيع أو تساوما وقاربا الانعقاد ولم يبق إلا العقد ، فعلى الأول يكون البيع بمعنى الشراء ، تقول بعت الشئ بمعنى اشتريته ، وهو اختيار أبي عبيد ، وعلى الثاني يكون البيع على ظاهر . ( ه‍ ) وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( أنه كان يغدو فلا يمر بسقاط ولا صاحب بيعة إلا سلم عليه ) البيعة بالكسر من البيع : الحالة ، كالركبة والقعدة . وفي حديث المزارعة ( نهى عن بيع الأرض ) أي كرائها . وفي حديث آ خر ( لا تبيعوها ) أي لا تكروها . وفي الحديث ( أنه قال : ألا تبايعوني على الاسلام ) هو عبارة عن المعاقدة عليه والمعاهدة ، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره . وقد تكرر ذكرها في الحديث . ( بيغ ) ( ه‍ ) فيه ( لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله ) أي غلبة الدم على الانسان ، يقال تبيغ به الدم إذا تردد فيه . ومنه تبيغ الماء إذا تردد وتحير في مجراه . ويقال فيه تبوغ بالواو . وقيل إنه من المقلوب . أي لا يبغي عليه الدم فيقتله ، من البغي : مجاوزة الحد ، والأول الوجه . ومنه حديث عمر رضي الله عنه ( ابغني خادما لا يكون قحما فانيا ، ولا صغيرا ضرعا ، فقد تبيغ بي الدم ) . ( بين ) ( ه‍ ) فيه ( إن من البيان لسحرا ) البيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ ، وهو من‌الفهم وذكاء القلب ، وأصله الكشف والظهور . وقيل معناه أن الرجل يكون عليه الحق وهو أقوم بحجته من خصمه فيقلب الحق ببيانه إلى نفسه ، لأن معنى السحر قلب الشئ في عين الانسان ، وليس بقلب الأعيان ، ألا ترى أن البليغ يمدح إنسانا حتى يصرف قلوب السامعين إلى حبه ، ثم يذمه حتى يصرفها إلى بغضه . ومنه ( البذاء والبيان شعبتان من النفاق ) أراد أنهما خصلتان منشؤهما النفاق ، أما البذاء وهو الفحش فظاهر ، وأما البيان فإنما أراد منه بالذم التعمق في النطق والتفاصح وإظهار التقدم فيه على