الذهبي

267

سير أعلام النبلاء

فما وجدوا في شباب بني أمية من يصلح للامر إلا عبد الرحمن بن محمد ، فبايعوه وطلب منهم المال فلم يجده ، وطلب العدد فلم يجدها ، فلم يزل السعد يخدمه إلى أن سار بنفسه لابن حفصون ، فوجده مجتازا لوادي التفاح ، ومعه أكثر من عشرين ألف فارس كذا نقل اليسع ، وما أحسب أن ابن حفصون بقي إلى هذا التاريخ قال : فهزمه ، وأفلت ابن حفصون في نفر يسير ، فتحصن بحصن مبشر . ولم يزل عبد الرحمن يغزو حتى أقام العوج ، ومهد البلاد ، ووضع العدل ، وكثر الامن ، ثم بعث جيشا إلى المغرب ، فغزا برغواطة بناحية سلا ( 1 ) ، ولم تزل كلمته نافذة ، وسجلماسة ( 2 ) ، وجميع بلاد القبلة ، وقتل ابن حفصون . وصارت الأندلس أقوى ما كانت وأحسنها حالا ، وصفا وجهه للروم ، وشن الغارات على العدو ، وغزا بنفسه بلاد الروم اثنتي عشرة غزوة ، ودوخهم ، ووضع عليه الخراج ، ودانت له ملوكها ، فكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف رجل يصنعون في بناء الزهراء التي أقامها لسكناه على فرسخ من قرطبة . وساق إليها أنهارا ، ونقب لها الجبل ، وأنشأها مدورة ، وعدة أبراجها ثلاث مئة برج ، وشرفاتها من حجر واحد ، وقسمها أثلاثا : فالثلث المسند إلى الجبل قصوره ، والثلث الثاني دور المماليك والخدم ، وكانوا اثني عشر ألفا بمناطق الذهب ، يركبون لركوبه ، والثلث الثالث بساتين تحت القصور . وعمل مجلسا مشرفا على البساتين ، صفح عمده بالذهب ، ورصعه بالياقوت والزمرد ، واللؤلؤ ، وفرشه بمنقوش الرخام ، وصنع قدامه بحرة مستديرة

--> ( 1 ) مدينة المغرب على ساحل المحيط الأطلسي ، قرب المعمورة وبقربها برغواطة . ( 2 ) مدينة داخلية في جنوب المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام .