الذهبي

261

سير أعلام النبلاء

فلما كانت سنة ثلاثين ومئتين طرق المجوس الأردمانيون ( 1 ) إشبيلية في ثمانين مركبا في الوادي ، فصادفوا أهلها على غرارة بمطاولة أمد الأمان لهم مع قلة خبرتهم بحربهم ، فطلعوا من المراكب ، وقد لاح لهم خور من أهلها ، فقاتلوهم ، وقووا على المسلمين ، ووضعوا السيف فيهم ، وملكوا إشبيلية بعد القتل الذريع في أهلها حتى في النساء والبهائم ، وأقاموا بها سبعة أيام ، فورد الخبر على الخليفة عبد الرحمن بن الحكم ، فاستنفر جيشه وبعث بهم إلى إشبيلية فحلوا بالشرق ، ووقع القتال ، واشتد الخطب ، وانتصر المسلمون ، واستحر القتل بالملاعين حتى فني جمع الكفرة ، لعنهم الله ، وحرق المسلمون ثلاثين مركبا من مراكبهم ، فكان بين دخولهم إلى إشبيلية وهروبهم عنها ثلاثة وأربعون يوما . وهذا كان السبب في بناء سور واديها ( 2 ) . وفي سنة خمس وثلاثين جاء سيل مهول حتى احتمل ربض قنطرة قرطبة ، واحتمل ست عشرة قرية إلى البحر بما فيها من الناس والمواشي . وهلك ما لا يعد ولا يحصى ، فلا قوة إلا بالله . وكان مولد عبد الرحمن بن الحكم بطليطلة في شعبان ، سنة ست وسبعين ومئة . ومات في ثالث ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومئتين .

--> ( 1 ) هم النورمان ، كانوا يغيرون على الأندلس من المنافذ النهرية ، وسماهم المسلمون " المجوس " لأنهم كانوا يشعلون النيران كثيرا ، فظن المسلمون أنهم يعبدونها . انظر ابن عذاري 2 / 130 . ( 2 ) انظر " المغرب " 1 / 49 .