الذهبي
209
سير أعلام النبلاء
فقال : كان عاقلا ، صدوقا ، محدثا ، وكان شديدا على أهل الريب والبدع ، قديم السماع من أبي إسحاق قبل زهير ، وقبل إسرائيل . فقلت له : إسرائيل أثبت منه ؟ قال : نعم . قلت له : يحتج به ؟ قال : لا تسألني عن رأيي في هذا . قلت : فإسرائيل يحتج به ؟ قال : إي لعمري . قال : وولد شريك سنة خمس وتسعين . قلت له : كيف كان مذهبه في علي وعثمان رضي الله عنهما ؟ قال : لا أدري . قال حفص بن غياث ، من طريق علي بن خشرم ، عنه : سمعت شريكا يقول : قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، واستخار المسلمون أبا بكر ، فلو علموا أن فيهم أحدا أفضل منه كانوا قد غشونا ، ثم استخلف أبو عمر ، فقام بما قام به من الحق والعدل ، فلما حضرته الوفاة ، جعل الامر شورى بين ستة ، فاجتمعوا على عثمان . فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا . قال علي بن خشرم : فأخبرني بعض أصحابنا من أهل الحديث ، أنه عرض هذا على عبد الله بن إدريس ، فقال ابن إدريس : أنت سمعت هذا من حفص ؟ قلت : نعم . قال : الحمد لله الذي أنطق بهذا لسانه ، فوالله إنه لشيعي ، وإن شريكا لشيعي . قلت : هذا التشيع الذي لا محذور فيه إن شاء الله إلا من قبيل الكلام فيمن حارب عليا رضي الله عنه من الصحابة ، قبيح يؤدب فاعله . ولا نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير ، ونترضى عنهم ، ونقول : هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي ، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " ( 1 ) . فنسأل الله أن يرضى عن الجميع ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2916 ) في الفتن : باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون الرجل مكان الميت من البلاء ، وهو حديث متواتر ، رواه جماعة من الصحابة منهم : أبو سعيد الخدري وهو في " الصحيح " ، وقتادة بن النعمان عند النسائي ، وأبو هريرة عند الترمذي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي ، وعثمان بن عفان ، وحذيفة ، وأبو أيوب ، وأبو رافع ، وخزيمة بن ثابت ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص . قال الحافظ في " فتح الباري " 1 / 452 : وكلها عند الطبراني وغيره ، وغالب طرقها صحيحة وحسنة . وفيه عن جماعة آخرين يطول عددهم . وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار ، ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه . ونقل المناوي في " فيض القدير " 6 / 366 عن كتاب الإمامة للامام عبد القاهر الجرجاني قوله : أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي ، والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين ، أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين ، كما هو مصيب في أهل لجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له .