الذهبي

41

سير أعلام النبلاء

الرجل جماعة يلوح على قولهم الانصاف ، وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه ، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين ، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة ، وارتفع مالك ، وصار كالنجم ، والآخر ، فله ارتفاع بحسبه ، ولا سيما في السير ، وأما في أحاديث الاحكام ، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن ، إلا فيما شذ فيه ، فإنه يعد منكرا . هذا الذي عندي في حاله ، والله أعلم . قال يونس بن بكير : سمعت شعبة يقول : محمد بن إسحاق أمير المحدثين لحفظه . وقال علي بن عبد الله : نظرت في كتب ابن إسحاق فما وجدت عليه إلا في حديثين ، ويمكن أن يكونا صحيحين . وقال بعض الأئمة : الذي يذكر عن هشام بن عروة من قوله : كيف يدخل على امرأتي ؟ لو صح هذا من هشام لجاز أن تكتب إليه ( 1 ) ، فإن أهل المدينة يرون الكتاب جائزا ، لان النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب لأمير السرية كتابا ، فقال له : " لا تقرأه حتى تبلغ موضع كذا وكذا " فلما بلغه قرأه وعمل به ( 2 ) . وكذلك

--> ( 1 ) أي : زوجته ، والمكتوب إليه ابن إسحاق . ( 2 ) علقه البخاري في " صحيحه " : 1 / 142 ، في العلم : باب ما يذكر في المناولة ، وكتاب أهل العلم بالعلم ، وأخرجه البيهقي في " سننه " : 9 / 58 ، 59 ، من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق ، حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن جحش إلى نخلة ، فقال له : " كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش " ، ولم يأمره بقتال ، وذلك في الشهر الحرام ، وكتب له كتابا قبل أن يعلمه أين يسير ، فقال : " اخرج أنت وأصحابك ، حتى إذا سرت يومين ، فافتح كتابك ، وانظر فيه ، فما أمرتك فيه فامض له ، ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على الذهاب معك . . " . وأخرجه أيضا : 9 / 12 ، من طريق أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن عروة . . وسنده صحيح لكنه مرسل . وأخرجه الطبري في تفسيره : 2 / 349 ، 350 ، من حديث جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه بعث رهطا ، وبعث عليهم أبا عبيدة ، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس ، فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانه ، وكتب له كتابا ، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : " لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك " ، فلما قرأ الكتاب استرجع ، وقال : سمع وطاعة لله ولرسوله ، فخبرهم الخبر ، وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ، ومضى بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي ، فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجل أو جمادى ، فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام . فأنزل الله عز وجل : * ( يسألونك عن الشهر الحرام . . ) * الآية [ 217 ، البقرة ] ، فقال بعضهم : إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر ، فأنزل الله عز وجل : * ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) * [ البقرة : 218 ] . ورجاله ثقات ، إلا أن فيه رجلا مبهما ، ومع ذلك فقد قال الهيثمي في " المجمع : 6 / 192 ، بعد أن عزاه للطبراني : رجاله ثقات ، ونقله الحافظ في " الفتح " : 1 / 142 ، عن الطبراني ، وحسن إسناده ، وقال : ثم وجدت له شاهدا من حديث ابن عباس عند الطبري في " التفسير " : 2 / 350 . فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحا .