الذهبي

153

سير أعلام النبلاء

عليه السلام : " من غزا ينوي عقالا فله ما نوى " ( 1 ) . وترى هذا الضرب لم يستضيؤوا بنور العلم ، ولا لهم وقع في النفوس ، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل ، وإنما العالم من يخشى الله تعالى . وقوم نالوا العلم ، وولوا به المناصب ، فظلموا ، وتركوا التقيد بالعلم ، وركبوا الكبائر والفواحش ، فتبا لهم ، فما هؤلاء بعلماء ! وبعضهم لم يتق الله في علمه ، بل ركب الحيل ، وأفتى بالرخص ، وروى الشاذ من الاخبار . وبعضهم اجترأ على الله ، ووضع الأحاديث ، فهتكه الله ، وذهب علمه ، وصار زاده إلى النار . وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئا كبيرا ، وتضلعوا منه في الجملة ، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل ، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر ، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير ، أوهموا به أنهم علماء فضلاء ، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله ، لأنهم ما رأوا شيخنا يقتدى به في العلم ، فصاروا همجا رعاعا ، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مثمنة يخزنها وينظر فيها يوما ما ، فيصحف ما يورده ولا يقرره . فنسأل الله النجاة والعفو ، كما قال بعضهم : ما أنا عالم ولا رأيت عالما . وقد كان هشام بن أبي عبد الله من الأئمة ، لولا ما شاب علمه بالقدر . قال الحافظ محمد بن البرقي ( 2 ) : قلت ليحيى بن معين : أرأيت من يرمى

--> ( 1 ) أخرجه أحمد : 5 / 315 ، والدارمي : 2 / 208 ، والنسائي : 6 / 24 ، من حديث عبادة ابن الصامت ، مرفوعا ، بلفظ : " من غزا في سبيل الله ، ولم ينو إلا عقالا ، فله ما نوى " . وفي سنده يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، لم يوثقه غير ابن حبان ، وباقي رجاله ثقات . ( 2 ) البرقي ، بفتح الباء ، وسكون الراء : نسبة إلى برقة ، وهو الحافظ العالم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد الزهري ، مولاهم البصري ، صاحب كتاب " الضعفاء " ، وعرف بالبرقي : لأنه كان يتجر إلى برقة . مات سنة ( 249 ه‍ ) . التذكرة : 569 .