الذهبي
141
سير أعلام النبلاء
ولكنه كان رجلا كريما ، يجلس إليه كل أحد ويغشاه فلا يطرده ، ولا يقول له شيئا ، وإن مرض ، عاده ، فكانوا يتهمونه بالقدر ، لهذا وشبهه . قلت : كان حقه أن يكفهر في وجوههم ، ولعله كان حسن الظن بالناس . ثم قال الواقدي تلميذه : وكان يصلي الليل أجمع ، ويجتهد في العبادة ، ولو قيل له : إن القيامة تقوم غدا ، ما كان فيه مزيد من الاجتهاد . أخبرني أخوه قال : كان أخي يصوم يوما ويفطر يوما ، ثم سرد الصوم ، وكان شديد الحال ( 1 ) ، يتعشى الخبز والزيت ، وله قميص وطيلسان ، يشتو فيه ويصيف . قال : وكان من رجال الناس ( 2 ) صرامة وقولا بالحق ، وكان يحفظ حديثه ، لم يكن له كتاب ، وكان يروح إلى الجمعة باكرا ، فيصلي إلى أن يخرج الامام . ورأيته يأتي دار أجداده عند الصفا ، فيأخذ كراءها ، وكان لا يغير شيبه . ولما خرج محمد بن عبد الله بن حسن ( 3 ) ، لزم بيته إلى أن قتل محمد ، وكان أمير المدينة الحسن بن زيد يجري على ابن أبي ذئب كل شهر خمسة دنانير ، وقد دخل مرة على والي المدينة ، فكلمه - وهو عبد الصمد بن علي عم المنصور - فكلمه في شئ ، فقال عبد الصمد بن علي : إني لأراك مرائيا . فأخذ عودا وقال : من أرائي ؟ فوالله للناس عندي أهون من هذا . ولما ولي المدينة جعفر بن سليمان ، بعث إلى ابن أبي ذئب بمئة دينار ، فاشترى منها ساجا ( 4 ) كرديا بعشرة دنانير ، فلبسه عمره ، وقدم به عليهم بغداد ،
--> ( 1 ) في " التذكرة " 1 / 192 : " وكان خشن العيش " . ( 2 ) في المرجع السابق : " وكان من رجال العلم " . ( 3 ) انظر الصفحة : 21 ، حا : 1 . ( 4 ) الساج : الطيلسان الضخم الغليظ ، وقيل : هو الطيلسان المقور ينسج كذلك .