الذهبي
56
سير أعلام النبلاء
وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه قال : ما رأيت أحدا أعلم بالسنة من القاسم بن محمد ، وما كان الرجل يعد رجلا حتى يعرف السنة ، وما رأيت أحد ذهنا من القاسم ، إن كان ليضحك من أصحاب الشبه كما يضحك الفتى . وروى خالد بن نزار ، عن ابن عيينة قال : أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة : القاسم وعروة وعمرة . وقال جعفر بن أبي عثمان : سمعت يحيى بن معين يقول : عبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة ترجمة مشبكة بالذهب . وقال ابن عون : كان القاسم وابن سيرين ورجاء بن حياة يحدثون بالحديث على حروفه ، وكان الحسن وإبراهيم والشعبي يحدثون بالمعاني ( 1 ) . يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : رأيت القاسم بن محمد يصلي ، فجاء أعرابي فقال : أيما أعلم أنت أم سالم ؟ فقال : سبحان الله ، كل سيخبرك بما علم ، فقال : أيكما أعلم ؟ قال : سبحان الله ، فأعاد ، فقال : ذاك سالم ، انطلق ، فسله ، فقام عنه . قال ابن إسحاق : كره أن يقول : أنا أعلم ، فيكون تزكية ، وكره أن يقول : سالم أعلم مني فيكذب . وكان القاسم أعلمهما . قال ابن وهب : ذكر مالك القاسم بن محمد فقال : كان من فقهاء هذه
--> ( 1 ) جمهور العلماء سلفا وخلفا على جواز رواية الحديث بالمعنى إذا كان الراوي عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ، خبيرا بما يحيل معانيها ، بصيرا بمقادير التفاوت بينها ، وعليه العمل كما هو مشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها ، فإن الواقعة تكون واحدة ، وتجئ الألفاظ متعددة من وجوه مختلفة متباينة . وأكثر مرويات الصحابة والتابعين بالمعنى إلا فيما يتعبد بلفظه كالتشهد والقنوت والصلاة وما هو من جوامع حكمه صلى الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا يحرصون على روايته باللفظ النبوي . ثم إن هذا الخلاف لا يجري في الكتب المصنفة كالكتب الستة والمسانيد والمعاجم وغيرها ، فليس لأحد أن يغير لفظ شئ من كتاب ، ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه لان الرواية بالمعنى إنما رخص فيها من رخص حين كان الحرج شديدا على الرواة في ضبط الألفاظ ، وهذا غير موجود فيما اشتملت عليه الكتب .