الذهبي
277
سير أعلام النبلاء
حفظه ، قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها . وقال عبد الله بن إدريس : قال شعبة : نصصت على قتادة سبعين حديثا كلها يقول : سمعت أنس بن مالك . قال شعبة : لا يعرف لقتادة سماع من أبي رافع ، وقال يحيى بن معين : لم يسمع قتادة من سعيد بن جبير ولا من مجاهد ، قال يحيى بن سعيد القطان : لم يسمع قتادة من سليمان بن يسار ، وقال أحمد بن حنبل : لم يسمع من معاذة العدوية . قلت : قد عدوا رواية قتادة ، عن جماعة هكذا من غير سماع ، وكان مدلسا . قال وكيع : كان سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهما يقولون : قال قتادة : كل شئ بقدر إلا المعاصي ( 1 ) . وروى ضمرة ، عن ابن شوذب ، قال : ما كان قتادة لا يرضى حتى يصيح به صياحا يعني : القدر . قلت : قد اعتذرنا عنه وعن أمثاله ، فإن الله عذرهم ، فيا حبذا ، وإن هو عذبهم ، فإن الله لا يظلم الناس شيئا ، ألا له الخلق والامر . وقد كان قتادة أيضا رأسا في العربية والغريب وأيام العرب ، وأنسابها
--> ( 1 ) يغلب على الظن أن القدر الذي نفاه قتادة رحمه الله إنما هو القدر الذي حكاه الله تعالى عن المشركين في قوله * ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولاحرمنا من شئ . . ) * وقد رد الله مقالتهم تلك ووصفهم بالكذب والجهل ، واتباع الظنون والأوهام ، فقال : * ( كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ، فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) * وقد اتفق الأئمة الذين يعتد بهم في هذا الشأن : أن قدرة العبد مؤثرة في عمله كتأثير سائر الأسباب في المسببات بمشيئة الله الذي ربط بعضها ببعض كما هو ثابت بالحس والوجدان والقرآن . والله سبحانه يكره من عباده أن يعملوا الشر وإن وقع بإرادته إذ لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ، وليس معنى المشيئة أنه يحب ذلك الشر بل معناها : أن الشر لا يقع على الرغم منه ، وحاشا له . وإرادة الله لا ترغم العبد على فعل الشر ، فلو أن العبد فعل الخير بدل الشر ، لكان فعل الخير بإرادته سبحانه أيضا فالطاعات والمعاصي تقع من العبد بإرادة الله سبحانه ومشيئته ، أي : بغير أن يكون مكرها على وقوعها ، كما أن مشيئته تعالى لم تكره العبد على المعصية التي تقع منه .