الذهبي

20

سير أعلام النبلاء

ابن لهيعة ، عن أبي الأسود : أنا أول من هيج عكرمة على المسير إلى إفريقية ، قلت له : أنا أعرف قوما لو أتيتهم ، قال : فلقيني جليس له ، فقال : هو ذا عكرمة يتجهز إلى إفريقية ، فلما قدم عليهم ، اتهموه . قال : وكان قليل العقل خفيفا ، كان قد سمع الحديث من رجلين ، وكان إذا سئل حدث به عن واحد ، ثم يسأل عنه بعد ، فيحدث به عن الآخر ، فكانوا يقولون : ما أكذبه ، فشكوا ذلك إلى إسماعيل بن عبيد الأنصاري ، وكان له فضل وورع ، فقال : لا بأس أنا أشفيكم منه ، فبعث إليه ، فقال له : كيف سمعت ابن عباس يقول في كذا وكذا ؟ فقال : كذا وكذا ، فقال إسماعيل : صدقت ، سألت عنها ابن عباس فقال : هكذا . قال ابن لهيعة : وكان يحدث برأي نجدة الحروري ( 1 ) ، وأتاه ، فأقام عنده ستة أشهر ، ثم أتى ابن عباس فسلم ، فقال ابن عباس : قد جاء الخبيث . سعيد بن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : كنت أول من سبب لعكرمة الخروج إلى المغرب ، وذلك أني قدمت من مصر إلى المدينة ، فلقيني عكرمة ، وسألني عن أهل المغرب ، فأخبرته بغفلتهم ، قال : فخرج إليهم ، وكان أول ما أحدث فيهم رأي الصفرية ( 2 ) .

--> ( 1 ) هو نجدة بن عامر الحروري الحنفي من بني حنيفة رأس الفرقة النجدية ، ويعرف أصحابها بالنجدات ، انفرد عن سائر الخوارج بآراء والحرورية : نسبة إلى حروراء : موضع على ميلين من الكوفة ، كان أول اجتماع الخوارج به ، فنسبوا إليه . وقدم نجدة مكة ، وقتل سنة 69 ه‍ ، وله مقالات معروفة ، وأتباع انقرضوا ، مترجم في " تاريخ الاسلام " 3 / 88 ، و " لسان الميزان " 6 / 148 ، و " شذرات الذهب " 1 / 76 . وقد قال الحافظ ابن حجر في " مقدمة الفتح " ص 427 وهو يرد عن عكرمة ما ألصق به : لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك ، وإنما كان يوافق في بعض المسائل ، فنسبوه إليهم ، وقد برأه أحمد والعجلي من ذلك ، فقال في كتاب " الثقات " له : عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما مكي تابعي ثقة برئ مما يرميه الناس به من الحرورية . وقال ابن جرير : ولو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ، ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته ، وبطلت شهادته بذلك ، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار ، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه . ( 2 ) هم فرقة من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر ، وقولهم كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون ، إلا أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ولا نسائهم ، وقالوا : كل ذنب له حد معلوم في الشريعة لا يسمى مرتكبه مشركا ولا كافرا ، بل يدعى باسمه المشتق من جريمته ، فيقال : سارق ، وقاتل ، وقاذف ، وكل ذنب ليس فيه حد كمن يترك الصلاة ، فمرتكبه كافر ، ولا يسمون مرتكب واحد من هذين النوعين جميعا مؤمنا . " مقالات الاسلاميين " ص 182 ، 183 ، " والفرق بين الفرق " ص 70 ، و " التبصير في الدين " ص 52 ، و " الملل والنحل " 1 / 137 .