الذهبي
277
سير أعلام النبلاء
مع شاخته وهرمه ، ما امتنع قط عمن قصده ولا اعتذر إلا من ضرورة بينة ، وكان قد تحصل عنده من الأعلاق النفيسة وأمهات الدواوين ما لم يكن عند أحد من أبناء عصره وبنى مدرسة بسبتة ، ووقف عليها الكتب ، وشرع في تكميل ذلك على السنن الجاري بالمدارس التي ببلاد المشرق ، فعاق عن ذلك قواطع الفتن الموجبة لاخراجه عن سبتة وتغريبه ، فدخل الأندلس في سنة إحدى وأربعين وست مئة فنزل المرية فبقي إلى سنة ثمان وأربعين ، وأخذ عنه بها عالم كثير ، وأقرأ بها القرآن ، ثم قدم مالقة في صفر سنة ثمان . وحدث بغرناطة ، وأخذ عنه بمالقة جلة ، كأبي عبد الله الطنجالي ، والأستاذ حميد القرطبي ، وأبي ( 1 ) الزهر بن ربيع . وكذلك عظمه وفخمه أبو عبد الله الأبار ( 2 ) ، وقال : شارك في عدة فنون ، مع الشرف والحشمة والمروءة الظاهرة ، واقتنى من الكتب شيئا كثيرا ، وحصل الأصول العتيقة ، وروى الكثير ، وكان محدث تلك الناحية . حكى لي أبو القاسم بن عمران الحضرمي عن سبب إخراج الشاري من سبتة أن ابن خلاص وكبراء أهل سبتة عزموا على تمليك سبتة لصاحب إفريقية يحيى بن عبد الواحد ، فقال لهم الشاري : يا قوم خير إفريقية بعيد عنا وشرها بعيد ، والرأي مداراة ملك مراكش . فما هان على ابن خلاص وكان فيهم مطاعا فهيأ مركبا وأنزل فيه أبا الحسن الشاري وغربه إلى مالقة ، وبقي بسبتة أهله وماله ، وله بسبتة مدرسة مليحة كبيرة . قال ابن الزبير : توفي أبو الحسن رحمه الله بمالقة في التاسع والعشرين من رمضان سنة تسع وأربعين وست مئة .
--> ( 1 ) في الأصل : ( وأبو ) ولا يصح ذلك . ( 2 ) التكملة لكتاب الصلة ( النسخة الأزهرية ) ج 3 الورقة 80 بتصرف في الجملة