الذهبي

192

سير أعلام النبلاء

معظم عسكره ، ورجحهم على الأكراد وأمر منهم ، وجعلهم بطانته والمحيطين بدهليزه ، وسماهم البحرية . قلت : لكون التجار جلبوهم في البحر من بلاد القفجاق . قال ابن واصل : حكى لي حسام الدين ابن أبي علي ، أن هؤلاء المماليك مع فرط جبروتهم وسطوتهم كانوا أبلغ من يهاب السلطان ، وإذا خرج يرعدون منه ، وأنه لم يقع منه في حال غضبه كلمة قبيحة قط ، وأكثر ما يقول : يا متخلف ، وكان كثير الباه بجواريه ، ثم لم يكن عنده في الآخر سوى زوجتين الواحدة شجر الدر ، والأخرى بنت العالمة تزوجها بعد مملوكه الجوكندار ، وكان إذا سمع الغناء لم يتزعزع ، لا هو ولا من في مجلسه ، وكان لا يستقل أحد من الكبار في دولته بأمر ، بل يراجع مع الخدام بالقصص فيوقع هو ما يعتمده كتاب الانشاء ، وكان يحب أهل الفضل والدين ، يؤثر العزلة والانفراد ، لكن له نهمة في لعب الكرة ، وفي إنشاء الأبنية العظيمة ، وقيل : كان لا يجسر أحد أن يخاطبه ابتداء . وقيل : كان فصيحا ، حسن المحاورة عظيم السطوة ، تعلل ووقعت الآكلة في فخذه ، ثم اعتراه إسهال ، فتوفي ليلة النصف من شعبان ، سنة سبع وأربعين وست مئة بقصر المنصورة مرابطا ، فأخفوا موته ، وأنه عليل حتى أقدموا ابنه الملك المعظم تورانشاه من حصن كيفا ، ثم نقل ، فدفن بتربته بالقاهرة ، وكان بنو شيخ الشيوخ قد ترقوا لديه ، وشاركوه في المملكة ، وقد غضب مدة على فخر الدين يوسف ، ثم أطلقه وصيره نائب السلطنة ، لنبله ، وكمال سؤدده ، وكان جوادا محببا إلى الناس ، إلا أنه كان يتناول النبيذ . ولما مات السلطان عين فخر الدين للسلطنة فجبن ( 1 ) ونهض بأعباء

--> ( 1 ) يعني : جبن عن أن يتولاها من بني أيوب .