الذهبي
196
سير أعلام النبلاء
إلى أن قال : ولما دخل رسول صاحب مازندران ( 1 ) بغداد كانت تأتيه كل صباح ورقة بما فعل في الليل فصار يبالغ في التكتم ، واختلى ليلة بامرأة فصبحته ورقة بذلك ، فتحير ، وخرج لا يرتاب أن الخليفة يعلم الغيب . قلت : أظنه كان مخدوما من الجن ( 2 ) . قال : وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم ، فقيل : ارجع فقد عرفنا ما جئت به ! فرجع وهو يظن أن الناصر ولي لله . وجاء مرة رسول لخوارزم شاه فحبس أشهرا ثم أعطي عشرة آلاف دينار فذهب وصار مناصحا للخليفة . وبعث قاصدا يكشف له عسكر خوارزم شاه ، فشوه وجهه وتجانن ، وأنه ضاع حماره ، فسخروا منه ، وضحكوا ، وتردد بينهم أربعين يوما ثم رد إلى بغداد وقال : القوم مئة وتسعون ألفا يزيدون ألفا أو ينقصون . وكان الناصر إذا أطعم أشبع ، وإذا ضرب أوجع ، وصل رجل ببغاء تقرأ ( قل هو الله أحد ) هدية للناصر ، فأصبحت ميتة وحزن فأتاه فراش يطلب الببغاء فبكى وقال : ماتت ، قال : عرفنا فهاتها ميتة ، وقال : كم كان أملك ؟ قال : خمس مئة دينار ، قال : خذها فقد بعثها إليك أمير المؤمنين ، فإنه عالم بأمرك منذ خرجت من الهند ! وكان صدر جهان قد قدم بغداد في جمع من الفقهاء ، فقال واحد منهم عن فرسه : لا يقدر الخليفة أن يأخذها مني ، قال ذلك في سمرقند ، وعرف الناصر فأمر بعض الزبالين أن يتعرض له ويضربه ويأخذ الفرس منه ببغداد ، ويهرب بها في الزحمة ففعل ، فجاء الفقيه إلى الأبواب يستغيث ولا يغاث ، فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان
--> ( 1 ) في الأصل : " مازندان " ، والتصحيح من خطه في " تاريخ الاسلام " . ( 2 ) كذا قال الذهبي ، وهو تفسير ساذج غيبي ، وما أدرك شدة عناية الناصر بالمخابرات واكثاره من الجواسيس فقال هذه القالة .